مستحباً ، كما صرّح بذلك كثيرون « 1 » ، وإن كان ظاهر كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي ( 415 ه - ) أنّ أوّل من قال بهذا القول هو أبو علي الجبائي مؤيّداً له ، أمّا قبله ممّن سماهم المشايخ من السلف فأطلقوا القول بالوجوب « 2 » . . . فإننا نشكل على هذا الكلام أننا لم نفهم مدرك الاستحباب ، فإذا كان هو أدلّة الأمر والنهي وعموماتهما وإطلاقاتهما الواردة في الكتاب والسنّة ، فهي واحدة في خطابهما فكيف نفهم منها الوجوب في مورد وتدلّ على الاستحباب في مورد آخر مع أنها واحدة ؟ ! ولا توجد أيّ آية أو رواية معتبرة تميّز لنا بين واجب ومستحب أو محرّم ومكروه حتى نضع هذا التفصيل ، وربما الذي دفع الفقهاء إلى هذا التمييز أنهم لم يتصوّروا وجوب الأمر بالمستحب أو وجوب النهي عن المكروه ، مع أنّ الموضوع ( أي المأمور به والمنهي عنه ) غير واجب ولا حرام ، من هنا كان لابد من التمييز المذكور ؛ لأنه هو الذي يوفّق بين منطقية الأمر وبين إطلاقات الأدلّة في المقام .
والذي سبّب ذلك حدوث التباس في فهم دلالة الآيات والروايات ، وهو التباس بين إرادة الظاهرة والاتصاف أو إرادة تمام أفراد ومصاديق الأمر والنهي ، وهو ما بحثناه مفصّلًا سابقاً عند الحديث عن تحديد متعلّق فريضة الأمر والنهي ، حيث قلنا بأنّ المطلوب هو أن يتصف الفرد أو الجماعة بأنّهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا أنّ كل حادثة تقع أمامهم تتطلّب منهم الأمر أو النهي ، فراجع .
من هنا ، ندخل إلى التفكيك الذي مارسه بعض الفقهاء بين المعروف والواجب والمعروف المندوب ، وهذا التفكيك قد ينطلق من :
أ - الإجماع على عدم وجوب - بل استحباب - الأمر بالمعروف المندوب ، وهو
هامش
( 1 ) راجع - على سبيل المثال - : المرتضى ، الذخيرة في علم الكلام : 553 .
( 2 ) راجع : شرح الأصول الخمسة : 92 ، 505 .