والذي يبدو لنا - بقرينة المقابلة بين المنكر والمعروف - أنّ أصل اللغة والعرف يفهمون من المعروف كل أمر حَسَن يستحسن فعله ووجوده ، ومن آثار استحسان فعله ووجوده أنّهم يمدحون فاعله ، ولا يُنظر هنا إلى النكرة والمعرفة ، بل إلى كونه حسناً ممدوحاً مستجوداً في مقابل ما إذا لم يكن بنظرهم كذلك ، بل كان مستكرهاً مذموماً قبيحاً ، فتكون المعروفية والإنكار من توابع حسنه الذاتي وممدوحيّته في نفسه ، وليس لهذه الكلمات أيّ علاقة بالشرع ، فأكبر خطأ هنا حصل أنه أخضع هذا المفهوم مباشرةً للتقسيم الخماسي للحكم التكليفي ، مع أنّ المدلول اللغوي والعرفي لا ينظر إلى هذا التقسيم ، وإنما النظر يكون في مرحلة لاحقة تطبيقية .
من هنا ، تظهر لنا مجموعة نقاط :
النقطة الأولى : ليس المرجع الوحيد في تحديد المعروف والمنكر هو الشرع ، خلافاً لمن حاول حصره بالشرع ولو اعتماداً على إنكار التحسين والتقبيح العقليين ، بل قد يكون العقل والطبع العقلائي أيضاً ، فحتى لو فرضنا مورداً لا كلام للشرع فيه - مثلًا - أمكن تصوّر مفهوم المعروف والمنكر فيه أيضاً . وعليه ، فالشرع والعقل مرجع هنا معاً .
النقطة الثانية : لا يقتصر المرجع في التحديد على العقل والشرع ، بل يلعب العرف دوراً ، فقد يرى العرف أمراً ما قبيحاً ضمن ظروفه ، وأمراً آخر حسناً ضمن ظروفه ، بصرف النظر عن حكم العقل والشرع ، فحتى لو أنكرنا التحسين والتقبيح العقليين ، وقلنا : إنه ليس للشرع كلام هنا أو هناك ، يمكن للأعراف العامة أن تحدّد مصداق المعروف والمنكر وفقاً لما لا يخالف الشرع ولا العقل في هذا التحديد ؛ لتقدّمهما في تحديد المعروف والمنكر ، ذلك كلّه لصدق العنوان اللغوي هنا أيضاً .
النقطة الثالثة : لا معنى لتقسيم جماعة من الفقهاء الحكم هنا إلى وجوبي وندبي تبعاً للموضوع ؛ فإذا كان المأمور به واجباً كان الأمر واجباً وإذا كان مستحباً كان
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 301
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٠١