تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
ذمّهم على إخفائهم ومن موقع جعل الإظهار إحدى وظائف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فتعطي مؤشراً على أنّ الإسلام لا يستحسن هذا الفعل . هذه هي الآيات الكريمة التي تتحدّث عن مسألة كتمان الدين وإظهاره ، وقد تبيّن أنّ جميعها سوى واحدة - وهي آية النفر - وردت نقداً وتنديداً بظاهرة كانت موجودةً عند بني إسرائيل أو بشكل عام عند أهل الكتاب ، وأنّ الله تعالى ذمّهم على إخفاء بعض ما عندهم من آيات الله وأحكامه ، لمصالح شخصية أو دنيوية ، فهذا هو السياق الذي تعطيه الآيات الشريفة ، وقد تبيّن أنّ أفضل الآيات دلالةً هي الآية الأولى ، مدعومةً بجملة آيات أخَر ، ويتبيّن من ضمّ الآيات إلى بعضها أنّ القرآن الكريم يريد أن يحرّم إخفاء الدين كلًا أو بعضاً ، لا بمعنى مطلق عدم البيان ، بل بمعنى عدم البيان والسعي لعدم البيان في موقع البيان ، بحيث يصدق عليه عرفاً وعقلائياً أنه يتعمّد إخفاء دين الله تعالى ، وأيضاً عدم إظهار الحق عندما يستدعي الأمر إظهاره بحيث يصدق عليه كتمان الشهادة في بيان الحق أيضاً ، أما في غير ذلك فلا تدلّ آيات الكتاب على وجوب الإظهار أو حرمة الكتمان ، كما في علوم الدين - غير نفس الدين - وليس في الآيات استثناء يجيز الإخفاء في موردٍ هنا أو هناك ؛ فإذا أريد الاستثناء فلابدّ له من دليل . علماً أننا لم نجد في القرآن الكريم آيةً تشير من قريب أو بعيد إلى الحث أو تجويز إخفاء شيء في الدين ، ولو لعنوان ثانوي ، ومعه فلابد للإخفاء - أي إخفاء ما يثبت لدينا واقعاً أو تعبّداً أنّه من الدين - من دليل مخصّص أو مقيّد أو عنوان ثانوي له قدرة أن يتقدّم على العنوان الأولي ، وليس مجرّد عادات أو استنسابات أو استحسانات أو خوفاً من العامّة من الناس ، أو حذراً من نقد بعض العلماء أو . . نعم إذا لم يثبت لنا شيءٌ أنه من الدين أو شككنا فلا مانع من الإخفاء ؛ لعدم تحقّق الموضوع حينئذٍ . ومما تقدّم ظهر أنّ الإخفاء والإظهار مفاهيم نسبية ، فقد يتطلّب ممن يتصدّى