الشيخ ناصر مكارم الشيرازي حين قال في تفسيره : « جدير بالذكر أنّ إلهاء الناس بالمسائل الفرعية ، لصرف أنظارهم عن المسائل الأساسية الحياتية نوعٌ من كتمان الحقائق ، إذا لم يشمله فرضاً تعبير « كتمان الحقائق » فهو مشمول حتماً بملاك وفلسفة كتمان الحقّ » « 1 » .
يضاف إلى ذلك كلّه ، أنّ استخدام تعبير « أوتوا الكتاب » ، يختلف عن استخدام تعبير « أهل الكتاب » ، فلعلّ الأوّل خاص بعلماء اليهود والنصارى ، فيما الثاني شاملٌ لهم جميعاً علماء وعوام ، فإذا صحّ هذا التمييز الذي يلوح من بعضهم ، كانت هذه الآية خاصّة بالعلماء ، ولهذا وجدنا في بعض كلمات المفسّرين « 2 » ما يربطها بوظيفة العلماء كما تقدّم .
9 - قوله تعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ * أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
( البقرة : 76 - 77 ) .
وهذه الآية القرآنية تبيّن أنّ بعضاً من بني إسرائيل كانوا إذا التقوا بالمؤمنين المسلمين حدّثوهم ببعض ما عندهم مما فيه منفعة لإثبات ديانة الإسلام ، فنهاهم عن ذلك بعضٌ آخر ، وطالبوهم بعدم إفشاء ما في ديانتهم لهم حتى لا يكون ذلك مستمسكاً وحجّة للمؤمنين عليهم ، فهذا هو الكتمان في سياق الجدال والتحازبات حيث تُكتم الحقيقة حتى لا يستفيد الخصم منها ، وهذه هي البلوى التي وقع فيها غير واحد من المتكلّمين المسلمين ورجال المذاهب الإسلامية ، حيث يقولون : لا تثيروا هذا الأمر فيستفيد منه خصمنا المذهبي أو الديني ، واكتموه واجعلوه بيننا فقط .
هامش
( 1 ) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 1 : 460 .
( 2 ) انظر : التفسير الكبير 2 : 148 .