إنّ هذه الآية تذمّ الكتمان لبعض حقائق الدين لحجج تتعلّق بعدم السماح للآخر باستغلال هذه الحقيقة الدينية ضدّي ، فيما المطلوب قول هذه الحقيقة والالتزام بها وبلوازمها مهما كانت ، لا التعمية عليها وتجاهلها وتركها وإخفائها .
نعم ، الآية الشريفة وقعت في موقع الذم ، وبعد عدم الخصوصية لمضمون ما يخفونه وكون الآية بصدد ذمّ نهجهم وأسلوبهم ، كما هو الغالب في آيات ذمّ أهل الكتاب على مناهجهم وأساليبهم ، يمكن توظيفها فيما نحن فيه بهذا المقدار ، وهو عدم كتمان الحقّ بحجّة أنّ خصماً لي سوف يستفيد منه وأنني قد أتضرّر به ، بل عليّ الإظهار وتحمّل نتائج ما سيلحقني من جراء ذلك .
ويحمل روح هذه الآية قولُه تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً )
( النساء : 135 ) ، فإنّ هذه الآية دالّة على ضرورة كون سيرة المؤمنين هي القيام بالعدل كما يفيده أسلوب المبالغة في « القوّامين » ، وأن يشهدوا ويبيّنوا الحقّ حتى لو كان ذلك ضدّ مصالحهم ، ولا يهم لمن يشهدون وعلى من يشهدون وكائناً من كان قوياً أو ضعيفاً غنياً أو فقيراً ، فلا يتأخّروا فيها ولا يتركوها ، بل عليهم ترك اتّباع الهوى كي يحقّقوا العدل الملزمين به .
وهذا المبدأ وإن ورد في الشهادة ، لكن حيث كانت قيمه هي العدل والقسط والشهادة لله ، وهي قيم غير خاصّة بالقضاء أمكن فهم التعميم منها أو الاستئناس بها .
ونحو هذه الآية قوله تعالى أيضاً :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ )
( المائدة : 8 ) ، فالخصومة مع أحد - أياً كان ، كما يفيد