تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
علوم الدين كما عبّر بعضهم « 1 » ، ويجري عليها ما أسلفنا بحثه في الآية الأولى ، وقد استدلّ بها جماعة من العلماء لإثبات وجوب إظهار الأحكام « 2 » . وهي تبيّن أنّ الكاتمين المتوعّدين بالنار هنا كانت قد دفعتهم إلى ذلك مصالح الدنيا هذه المرّة ، كما يدلّ عليه تعبير الثمن القليل الوارد في الآية الكريمة ؛ فهم يكتمون بعض الدين ليحقّقوا أو ليحافظوا على السلطة أو المال أو الجاه أو المنصب أو المكانة الاجتماعية ؛ فإذا علموا أنّ الله تعالى لم يضع حكماً ما لكنّ هذا الحكم ينفع مصالحهم لم يبيّنوا كلام الله ؛ للحفاظ على مصالحهم . وقد كانت هذه هي المشكلة الكبرى في رجال الدين اليهود ، أنهم طلبوا مصالحهم ومواقعهم بالتحريف والكتمان ، وإلا فلا أحد يعطيهم أجراً على الكتمان ؛ وإنما المصالح الراجعة إليهم من وراء هذا الكتمان هو ما يعبّر عنه القرآن الكريم بشراء الثمن القليل . فهذه الآية لا تدلّ على تحريم الكتمان لمصلحة ما أنزل الله تعالى ؛ لأنها تحرّم الكتمان الظاهر في دوافع ذاتية دنيئة ، وتنبّه الإنسان إلى الأغلفة التي يضعها لمصالحه حتى لا يقع في شباك النفس ، وإلا فعلماء أهل الكتاب كانوا يقدّمون تبريرات ظاهرها ديني لمصالحهم الخاصّة ، ولعمري فإنّ التمييز بين الكتمان لمصالح الدين والكتمان لمصالح الفرد أو فئة علماء الدين أو طبقتهم أمرٌ في غاية الصعوبة ، ويحتاج إلى نفس صافية مهذّبة في أعلى مستويات هذا الأمر ؛ نظراً لحساسية الموضوع . 7 - قوله سبحانه :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
( التوبة :
هامش
( 1 ) الطوسي ، التبيان 2 : 46 . ( 2 ) انظر - على سبيل المثال - : الحلي ، الرسالة السعدية : 6 ؛ وتحرير الأحكام 1 : 33 - 34 ؛ والعاملي ، مفتاح الكرامة 8 : 295 ؛ وجواهر الكلام 13 : 133 و . .