مستحيلة عادةً ، نعم قد يمكن إخفاء بعض الأحاديث ، لكنه أيضاً صعب جداً في مثل عصرنا .
لكنّ الصحيح أنّ الكتمان لما أنزل الله تعالى مفهومٌ عام ، فكما يشمل كتمان اللفظ يستوعب كذلك كتمان المعنى والمضمون ، حيث يقال عرفاً وعقلائياً بأنّ كتمان المضمون عن الناس هو كتمانٌ لما أنزل الله وإخفاء ، لا سيما بعد أن كانت المعاني في بعض الموارد على الأقلّ مما يصعب الوصول إليه لكلّ أحد .
وبهذا كلّه يظهر أنّ الآية تثبت حرمة كتمان مطلق الهدى والبينة الواردين في الدين وما أنزله الله للعباد ، ضمن ما أسلفناه من إطار .
2 - قوله تعالى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
( البقرة : 146 - 147 ) .
فهذه الآية الكريمة تقع في موقع ذمّ أهل الكتاب الذين يكتم بعضهم الحقّ وهم يعلمونه ، ويصرّون على كتمانه ، فهذا الذم لهم مع عدم بيان ما هو الحقّ الذي كتموه - وهل هو أمر القبلة التي وقعت هذه الآية في سياقها أم أصل نبوّة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم الرحمة « 1 » أم غير ذلك - دالٌّ على المبغوضية الشديدة ، فالعبرة بعموم اللفظ والرسالة اللذين تقدّمهما الآية الكريمة ، من موقع ذمّ من يكتم الحق وهو يعلم به .
وهذه الآية تعطي مبدأ أكثر عموميةً من الذي سبق ؛ لأنها لا تحصر ذمّ الكتمان بما أنزل الله من البيّنات والهدى ، وإنما ترى أنّ كتمان الحقّ - وهو نقيض الباطل لغةً « 2 » - وإخفاؤه في موقع الإظهار ، مذمومٌ ، والحقّ أعم مما أنزل الله وغيره ، فيشمل مطلق الحقائق التاريخية وغيرها والعلوم ومعارف المتصوّفة والفلاسفة و . .
هامش
( 1 ) انظر - على سبيل المثال - : صحيح البخاري 4 : 186 .
( 2 ) انظر - على سبيل المثال - : لسان العرب 10 : 49 .