تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
والشهادة أمام القاضي وغير ذلك ، إلى جانب كتمان ما أنزل الله تعالى . ومع أنّ الآية لا توجد فيها صيغة تقنين للحرمة ؛ لكنّ نهج الذمّ الذي فيها لا يحتمل الكراهة ، اللهم إلا إذا أخذ المورد بالحسبان ، بحيث لوحظت خطورة الحقّ المكتوم وأهميّته فرتّب الحكم على ذلك ، فتكون دالّةً على مطلق المبغوضية ، لكن سيتبيّن قريباً أنّ تعاضد النصوص يفضي إلى ترجيح دلالة الحرمة . 3 - قوله تعالى :
( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )
( البقرة : 140 ) . فهذه الآية تدلّ على تحريم كتمان الشهادة ، وقد استدل بها هناك « 1 » ، وهذا مسلّم في الفقه الإسلامي ومعروف ، وليس هو موضع بحثنا ، لكنّ الخصوصية التي تشتمل عليها الآية أنها تحاور أهل الكتاب ، وليس هناك حالة دعوى قضائية بالمعنى الفقهي الخاص ، وإنما هناك دعاوى أطلقها النبي في المجتمع ودار خصام بينه وبين سائر الناس آنذاك حولها وأهل الكتاب شاهدون على هذا النزاع ، وبإمكانهم نصرة الحق والشهادة لصالحه بما عندهم في بطون كتبهم ، حيث كانت شهاداتهم موضع ثقل عظيم في قضايا الديانات في مجتمع الجزيرة العربية ، لا سيما وأنّ النبي جعلهم شهوداً في معركته الكبرى مع المشركين ، قال تعالى :
( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ )
( الشعراء : 192 - 197 ) ، وقال تعالى :
( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ )
( الرعد : 43 ) .
هامش
( 1 ) انظر - على سبيل المثال - : ابن فهد الحلي ، المهذب البارع 4 : 506 ؛ وابن حزم ، المحلى 11 : 145 .