الدليل على هذا التمييز وكيف عرفنا ذلك ؟ فحتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان المطلوب منه بيان الدين للناس وبيان الكتاب لهم ودعوتهم إلى الحقّ ، وهذه العناوين تصدق أيضاً على مستوى الظاهرة والاتصاف العامَّين ، فكيف عرفنا هذه الخصوصية النبوية ؟ هذا ولم أعثر على من قال في بحث خصائص النبي بأنّ هذا من خصائصه ولم يظهر لي وجه الدليل فيه . والله العالم .
نعم ، ورد في خصائص النبي أنّه يجب عليه الإظهار وإنكار المنكر مطلقاً ، واعتبروا أنّ ذلك من خصائصه ؛ لأنّ الله اختصّه بوعده له في أن يعصمه من الناس ، وذلك في قوله تعالى :
( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )
( المائدة : 67 ) ، ومن ثمّ فأهل البيت لم يحظوا بهذه العصمة من الناس ، لهذا كان الإنكار في مطلق الأحوال واجباً عليه صلى الله عليه وآله وسلم خاصّة « 1 » . لكنّ هذه الخصوصية - لو تمّت وهي غير تامّة لأسباب لسنا بصددها الآن - لا ربط لها بما نحن فيه كما هو واضح .
التعليق التاسع : الصحيح من القولين اللذين ذكرهما السرخي هو الأول ، فليس المهم أن يكون المُظهر محلّ اعتراف الناس أو ممّن لا يعرف بينهم - مثلًا - بأنه عالم دين ، إذ لم نعثر على هذا القيد في الآية الكريمة ، فلسنا هنا نتحدّث عن شرط التأثير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإنما عن تبليغ الدين وبيانه للناس ، ولا دليل على اشتراط بيانه باحتمال التأثير .
التعليق العاشر : قد يتصوّر هنا أنّ مقصود الآية الكريمة كتمان المنزل من عند الله تعالى بمعنى إخفاء بعض آيات القرآن بحيث لا تعود يعرفها الناس أو تتداول في المصاحف ، تماماً كما فعل أهل الكتاب ، على أساس أنهم أخفوا بعض آيات الكتاب المقدّس ، وبهذا المعنى لا مصداق على المستوى القرآني ؛ لأنه متواتر ، فإخفاؤه عملية
هامش
( 1 ) انظر - على سبيل المثال - : الكركي ، جامع المقاصد 12 : 54 .