تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
لكن في المقابل لا يصحّ الاستناد لهذه الآية لتحريم كتمان الشهادة ، كما قد يلوح من بعض ؛ لأنّ عنوان « النزول من عند الله تعالى » يبعُد إلغاء الخصوصية فيه على مستوى الآية ، بعد أن لم يكن مضمون الشهادة التي يدلي بها الشاهد في المحكمة وغيرها مما هو من هذا النوع . وقد كنّا ذهبنا في دراسة حول منهاجيات البحث التاريخي إلى ضرورة عرض التاريخ - وحتى الحاضر - بشفافية تامّة « 1 » ، لكن هذا لا يصحّ أن يجعل دليله أيضاً مثل هذه الآية . كذلك ليس كلّ بحث علمي أو فلسفي أو حقيقة عرفانية يصبح كتمانها مشمولًا لهذه الآية ، فلو توصّل الفيلسوف إلى حقائق في المبدأ والمعاد أو حصل للعارف كشف في قضية ما أو اكتشف عالم الكيمياء أمراً ما ، فإنّ الآية لا تشمل هؤلاء ما لم يروا أنّ الله تعالى قد أنزل هذا الأمر في كتابه وبيّنه للناس ، حتى لو كانت هذه الأبحاث الفلسفية فيها إثبات لحقائق الدين ، فالأدلّة العقلية ليست ديناً بالضرورة ، وإنما هي نصرة للدين والآية تتحدّث عن كتمان الدين فقط ، فلا يصحّ التعميم لمطلق ما يحتاجه المكلّف من الأدلّة العقلية ، خلافاً لما فعله الفخر الرازي « 2 » . التعليق الخامس : إنّ ما ذكره النراقي - وتبعه فيه السيّد الخوئي - من حصر دلالة الآية بالإلزاميات من الواجب والحرام ، دون بيان المباح والمكروه والمستحب ، فيه قدرٌ من الغرابة ؛ إذ إنّ العنوان الوارد في الآية جاء لمطلق الهدى والبينة النازلتين من عند الله ، فما الوجه في حصرها في الإلزاميات ؟ وكيف لم تكن صلاة الليل واستحباب أعمال البرّ وغيرها من الهدى الإلهي للناس ؟ وبأيّ وجه عرف السيد الخوئي عدم دخول المستحبّ في عنوان الآية ؟ إنّ الهداية ليست مفهوماً بسيطاً حتى
هامش
( 1 ) انظر : حيدر حب الله ، مسألة المنهج في الفكر الديني : 380 - 387 . ( 2 ) التفسير الكبير 1 : 183 ، 184 .