لتمكّن من الوصول إليه ، أما أنّ المقصود إيصاله إلى كلّ فرد فرد فهذا غير معلوم الوجوب ، حيث لم يلتزم به الأئمة ، نعم هذا التبليغ كان لازماً على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمقدار المستطاع ، وعلى أساس هذا كلّه فطباعة الرسالة العملية كافٍ في تحقّق عنوان النشر .
من هنا تقوم نظرية الخوئي على اختصاص أدلّة التبليغ بالأحكام الإلزامية وعدم شمولها لغيرها ؛ لأنّ الآية التي نحن بصددها تتوعّد باللعن والغضب على كتمان الهداية ، وما هو الهداية أو سبب لها ليس سوى الأحكام الإلزامية « 1 » .
ويخبرنا الإمام أبو بكر السرخسي - فيما ينقل - أنّ هناك وجهين ، بل قولان هنا : أحدهما أنّ الذي يجب عليه إظهار العلم هم مطلق من يعلم ولو كان يعلم شيئاً قليلًا من الأحكام ، وأنّ الآية الكريمة تدلّ على هذا الإطلاق . وثانيهما أنّ من يجب عليه ذلك هم خصوص المشهورين بالعلم الديني بين الناس ، إذ هم المعتمدون لديهم ويحصل المطلوب من تصدّي مثلهم « 2 » .
ولكنّ الإمام الشوكاني يستفيد من هذا الأمر على طريقته ، بما يخالف هذا الحصر ، حيث يرى أنّ الآية دالّة على وجوب البيان على العلماء ، وهذا يعني أن تعلّم الدين يحقّق صغرى أو موضوعاً لتكليف إضافي وهو البيان والنشر « 3 » .
ويفهم من بعض الروايات أنّ هذه الآية الكريمة يمكن حصرها في مورد كون من نلقي إليهم العلم أمناء ، فقد ورد في خبر زيد الشحام ، عن أبي عبد الله عليه السلام عندما سئل عن عذاب القبر ، قال : « إنّ أبا جعفر عليه السلام حدّثنا أنّ رجلًا أتى سلمان الفارسي ، فقال : حدّثني ، فسكت عنه ، ثم عاد فسكت ، فأدبر الرجل وهو يقول ويتلو هذه الآية :
( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ
هامش
( 1 ) انظر : الخوئي ، كتاب الاجتهاد والتقليد : 370 - 375 .
( 2 ) السرخسي ، المبسوط 30 : 261 .
( 3 ) شرح الصدور بتحريم رفع القبور : 1 - 2 .