العقاب والغضب والطرد الإلهي . ولعلّ هذه الآية الكريمة هي ما قصده العلامة الحلي بقوله : « وجب على كلّ مجتهد وعارف إظهار ما أوجب الله إظهاره من الدين ، وكشف الحق ، وإرشاد الضالّين ، لئلا يدخل تحت الملعونين على لسان ربّ العالمين ، وجميع الخلائق أجمعين ، بمقتضى الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية » « 1 » .
والجدير ذكره هنا أنّ الآية جعلت الموضوع مطلق البيّنات والهدى المذكور في الكتاب ، ومعنى هذا أنّ الكتمان المذموم لا يختصّ بكتمان قضايا عقائدية فقط ، بل يشمل مطلق أنواع المضمون النازل في كتاب الله ، سواء كان فقهاً أم أخلاقاً أم تاريخاً أم عقيدةً أم غير ذلك .
يضاف إلى ذلك ، أنّ الكتمان عرفاً ظاهرٌ ليس في مطلق عدم البيان ، فلا يقال لمطلق عدم البيان : إنه كتمان ، بل يفهم منه عدم البيان في موقع البيان ، فلا يُقال لزيد لو رأى شيئاً في الطريق ثم لم يبالِ به ولم يحدّث به : إنه يكتمه . وإنما يقال ذلك فيما لو سئل عنه كتمه ، أو لو كان نوع شيءٍ يقتضي البيان ويستدعيه ومع ذلك لم يحدّث به ، فهذا هو الكتمان ، ففي الكتمان حيثية وجودية مثل حيثية الكفّ عن الشيء ، فإنّ الكف عن الشيء ليس مطلق تركه كما قال بعضٌ .
والملفت أنّ الشيخ مرتضى المطهري قد استند لهذه الآية الكريمة لنقد ظاهرة الاحتياط الوجوبي المنتشرة في الرسائل العملية لمراجع الشيعة الإمامية في القرنين الأخيرين ، فهو يرى أنّ كتمان الفتاوى حرامٌ انطلاقاً من هذه الآية ، مع إقراره بأنّ الكتمان للحقيقة جائز فقط في حالة كونه خدمةً ضرورية للحقيقة نفسها « 2 » . كما استند إلى هذه الآية جماعة من الفقهاء للإفتاء بحرمة كتمان العلم ، مثل العلامة الحلي
هامش
( 1 ) العلامة الحلي ، نهج الحق وكشف الحق : 37 ؛ وانظر : القاسم بن محمد بن علي الزيدي ، الأساس لعقائد الأكياس : 162 .
( 2 ) المطهري ، مسألة الحجاب : 205 - 206 .