النظر في أدلّة هذه الفريضة ، فإننا لو راجعنا الكتاب والسنّة لوجدنا أنّ أغلبية النصوص وردت في الأمر بالمعروف إما وصفاً للجماعة أو للفرد ، أي أمّة تأمر بالمعروف أو إن من يمكّن في الأرض يأمر بالمعروف أو إنّ الأمة أو الفرد الذي يترك الأمر بالمعروف يصاب بكذا وكذا من العذاب وما شابه ذلك ، فهذا كلّه لا يدلّ على الوجوب في تمام الحالات ، بل على وجوب الظاهرة أو وجوب الاتصاف ، تماماً كما إذا قلت لزيد : مارس الرياضة فمارسها بمعدل ساعة كلّ يومين ، فهذا يصدق منه الإطاعة ، حتى لو كان قادراً على ممارسة المزيد من أفراد الرياضة ومصاديقها ، فنحن بحاجة إلى دليل إضافي يكشف عن الحالة الشمولية في هذه الفريضة ، وهذا الدليل نجده في الأمر والنهي الأسريين ، على أساس قوله تعالى :
( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً )
( التحريم : 6 ) ، فإنّ مفهوم الوقاية من نار جهنم سنخ مفهوم سيّال ؛ لأنّ احتمال نار جهنم يظلّ قائماً ما دام الطرف الآخر حيّاً لم يمت ، فلا تتحقّق الوقاية لو وقاه ثم تركه ، فإنه في المحصّلة لم يَقِه منها .
أما في غير هذا المورد ، فلم أجد نصّاً قرآنياً واضحاً في هذا المجال ، ويمكن مراجعة الآيات التي استعرضناها في الفصل الأوّل والنظر إليها بعيداً عن الخلفية المسبقة ؛ لنرى أنه في غير الدائرة الأسرية لا يبدو واضحاً أنّ الفريضة قد سيقت على نسق النوع الثاني المتقدّم .
أما السنّة الشريفة ، فنصوصها في أغلبها على منوال نصوص الآيات الكريمة ، وما دلّ على غير ذلك ليس دالًا على وجوب الفريضة وإنما يبيّن حُسن ذلك ، وكثير من الخطابات جماعية تطالب الناس أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ، أو تقرّر أصل وجوب هذه الفريضة دون بيان شكل وجوبها .
مع ذلك ، لا بأس بذكر جملة من النصوص التي قد تدلّ هنا على التصوّر السائد لنرى مدى تماميتها سنداً ودلالة :