وأمّا الأسلوب الحكومي والدولي الذي تعيشه موضوعة الحسبة ، فمن نقاط قوّته أنّه يجعل كلّ الوظائف التنظيميّة والإصلاحية ضمن سياق الأمر والنهي ، ويعطي القائمين على هذه الفريضة إمكانات وفيرة بحكم الموقع السياسي والسلطوي ، وربما يقارب بين الأخلاق والسياسة ، إلا أنّه قد يعاني أحياناً من الإفراط في صلاحيات المحتسب ، والغرق في الشكل الظاهري لعمليات الإصلاح ، والتأثير في التغطية على الدور الشعبي في الأمر والنهي بما يجعل هذه الفريضة غير عميقة الجذور في الوسط العامّ ، وتسييس نشاط الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بما يدخله في إطار المصالح والمفاسد والعناوين الثانويّة التي تقدّم السياسي على الديني وتسيّس الدين بدل أن تديّن السياسة .
من هنا ، نجد أنّ ما توصّلنا إليه يظلّ هو الأفضل ، فكلّ فريق من الفرقاء الثلاثة ، وكلّ أسلوب من الأساليب الثلاثة المتقدّمة يمكن أن يفرض رقيباً على الاثنين الباقيين ، بما يحقّق توازن القوّة بينها ، ويحدّ من الإفراط والتفريط فيها ، وهذه من الآثار القيّمة للنتيجة التي توصّلنا إليها ، ولهذا وجدنا القرآن الكريم والسنّة المطهّرة يحكمان بهذه الوظيفة ضمن أطر متنوّعة ، بل يمكن الانفتاح على أيّ طريق جديد تبتكره الذهنية البشريّة ما دام لا يتعارض مع مبدءٍ من مبادئ الشرع الحنيف .
إنّ طرح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالطريقة التي عالجناها يجعل مراقبة السلطة ونقدها وتصحيح اعوجاجها نهياً عن المنكر ، سواء كانت سلطةً دينية أم سياسية أم مالية أم اجتماعيّة ، وبذلك ينفتح نهج الترشيد والإصلاح وتأخذ المعارضة شرعيّتها في الفقه السياسي الإسلامي ضمن القواعد العامّة لهذه الفريضة .
4 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين التقيّد والإطلاق الأزماني
الواضح من مجمل نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنها تؤسّس لهذه