تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
ولعلّه يستأنس لذلك أيضاً بقوله تعالى :
( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ . . . )
( التوبة : 71 ) إذا اعتقدنا الارتباط بين مبدأ جعل الولاية المتبادلة بين المؤمنين وبين مبدأ الأمر والنهي . إذن ، فلا يبعد أن يكون الأمر والنهي فريضة عينية - كما أثبتنا سابقاً - وفي الوقت عينه ذات طابع فردي ، وحكومي ، ومجتمعي . لكن يبقى هنا تساؤل أساس على هذه النتيجة بشقّيها ، وهو أنه إذا كان حال هذه الفريضة أنها واجب عيني فردي أيضاً ، لزم من ذلك أنه يجب على جميع المسلمين وآحادهم الأمر والنهي لزيد من الناس ، وهذا شيء غير ممكن ولا مقدور ، مما يكشف عن أنّ الوجوب إما ليس وجوباً فردياً أو أنه وجوب كفائي ، فكيف نجمع بين الفردية والعينية في هذه الفريضة ؟ والجواب : لا مانع من ذلك ، وذلك أنّ الفقهاء كثيراً ما نظروا هنا للمصداق الجزئي الخاص ، ثم أخذوا يطبّقون على المثال الجزئي ، مع أن المفروض أن ينظر للقضية بمنظار كلّي ؛ لأنّ الأقرب أنّ المولى الذي يشرّع للأمة كلّها ينظر من الأعلى لتكاليفه ولنتائج تكاليفه فإذا أوجب فقد أوجبَ على كل من يعلم بمعصية أو ترك معروف أن يتصدّى له ، ومن الطبيعي أن لا يعرف الكلّ كلَّ المعروف المتروك من الأفراد ، أو كلّ المنكر المرتكب من كلّ الفاعلين للمنكر ، لهذا فهو يقوم بتشريع الوجوب الفردي العيني على الجميع ممن يتحقّق في حقّه تمام حيثيات الموضوع خارجاً ، مع علمه المسبق بعدم صدق الموجبة الكلية كما أشرنا ؛ فهنا يندفع كلّ فرد للتعاطي مع ما يحيط به من ظواهر غير صحّية ، وبانضمام أفعال الأفراد يحصل المطلوب أكثر فأكثر ، فالمولى لم يوجب على الفرد كل أشكال الأمر والنهي لكل ما يخالف الدين في العالم في لحظة واحدة ؛ فإنّ هذا خارج قطعاً بمقيّدات لبيّة من مثل عدم القدرة وعدم العلم بتحقق الموضوع خارجاً ؛ لهذا يصدر الخطاب العام مع