أن الحال ليس كذلك دائماً ، فكثيراً ما تطرح نظريات ثبوتية لرفع الاستحالة دون أن يُقام عليها برهان يفرضها دون سواها ، ومجرّد بطلان سائر النظريات المطروحة ، لا يساوي ثبوت هذه النظرية الممكنة ما دام باب الاستقراء مفتوحاً ، فمن المحتمل بروز تفسيرٍ آخر فيما بعد ، ما دامت القسمة في الاستدلال غير حاصرة .
ومعنى ذلك هنا ، أنّ نظرية المشهور ونظرية شمس الدين صحيحتان ثبوتاً ، فينبغي لكلّ واحدة منهما أن تنظر في فرصها إثباتاً من قرائن حال أو مقال .
والذي نراه أنه يفترض التركيز هنا - بعد التجرّد عن القولين معاً - على الفهم العقلائي للتكليف وأنواعه ، فهل يميّز العقلاء - ولو بشكل مبسّط - بين تكليف موجّه إلى الأفراد بما هم أشخاص حقيقيون ، وبين تكليف موجه للجماعة أم لا ؟
لا يبعد وجود هذا التمييز ، وإن غاب عن أذهان الكثيرين منّا بسبب هيمنة التعريف المشهور للكفائية على المناخ الفكري ، لا أقلّ أنّ هذا الأمر يبدو ظاهراً أكثر في تلك التكاليف التي لا يأتي بها أفراد عادةً بل تمارسها أمّة وجماعة ، مثل لزوم تشكيل دولة إسلامية ، ولزوم المشاركة في بلوغ الحاكم العادل سدّة الحكم ، ووجوب الجهاد ، ووجوب الصناعات الضرورية ، وأمثالها مما يراه العقل العقلائي تكاليف موجّهة للجماعة ، يُراد منها ذاتها وتحقّقها في الخارج .
وشاهد ذلك أننا نشعر بوجداننا بالفرق بين خطاب « صلّوا » الذي نحسّ أنه موجّه للفرد ، وخطاب « أقيموا دولةً إسلامية » الذي يُشعر الفرد أنه لا يخاطبه بما هو هو ، بل بما هو جزء من جماعة هي المخاطبة به ، ولهذا تجد حسّ الجماعة حاضراً عنده في النوع الثاني ، بينما تجده في النوع الأوّل غير معنيّ بالجماعة ، وهو يمتثل أمر « صلّ » أو « طهّر الثوب قبل الصلاة » .
إنّ هذا الارتكاز العقلائي في فهم أنواع النصوص هو الذي يشكّل قرينة فهم الفردية أو المجتمعية أو الحكومية ، فإذا توفر هذا الشاهد اللبّي المتصل كان بنفسه
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 202
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٠٢