طرف ثالث فيعدمان موضوع الأمر والنهي بعد ارتفاع الإصرار وغيره ، بل لا معنى لفرضه كفائيّاً بعد تحقّق الغرض ؛ لأنّ معنى الكفائيّة أنّ هناك نحواً من الوجوب ثابتاً في البين ، والفرض أنّ هذه الكفائيّة إنّما تعيّنت وظهرت بعد تحقّق المأمور به ، أي بعد سقوط التكليف ، فلا معنى للحديث عن تكليف كفائي في ظرف السقوط نفسه ، بل لا معنى لفرض انقلاب التكليف من عيني إلى كفائي بعد تحقّق متعلّق العيني خارجاً وانعدام موضوعه على الآخرين .
وهذا هو معنى ما قصده بعضهم من القول بأنّ العينية لا تعني الوجوب بعد تحقّق التأثير بالإنكار ، وإنّما تعني لزوم مبادرة الكلّ إلى الإنكار حتى مع العلم بقيام الغير بذلك ما دام التأثير لم يتحقّق « 1 » .
هذا ، ولكنّ العلامة الحلي أرجع تفصيل ابن البراج إلى القول بالكفائيّة قائلًا : « وهذا الذي اختاره مذهب السيّد بعينه ؛ لأنّ واجب الكفاية هو الذي إذا أقام به البعض سقط عن الباقين ، وإن لم يقم به البعض وجب على الجميع » « 2 » .
إلا أنّ ما قاله العلامة الحلي وغيره « 3 » فيه نظر ؛ فإنّ ابن البراج لم يميّز بين قيام البعض بالأمر والنهي وبين عدم قيامهم ، وإنّما ميّز بين تحقّق الغرض من وراء الأمر والنهي وعدمه ، وإلا فإنّ قيام البعض لا يساوق تحقّق الغرض وارتفاع موضوع الأمر والنهي ، فبالإمكان تصوّر أنّ بعض من به الكفاية قد تصدّى للأمر والنهي في قضيّة ما ، لكنّ هذا لا يسقط التكليف - على كلام ابن البراج - إلا بعد تأثير الإنكار خارجاً لا بعد التصدّي ؛ فإنّ التصدّي لا يجامع تأثير الإنكار بالضرورة ، فما ذكره العلامة الحلي غير واضح .
هامش
( 1 ) راجع : غاية المراد 1 : 507 ؛ وجامع المقاصد 3 : 485 .
( 2 ) مختلف الشيعة 4 : 459 .
( 3 ) انظر : موسوعة الفقه الإسلامي 17 : 166 .