بقرينة القوة والعدد وغير ذلك .
الأمر الثالث : ما استند إليه المحقق النجفي من الاعتماد على السيرة المستمرّة في سائر الأعصار والأمصار ، والقاضية بعدم الوجوب العيني ؛ واستشهد لذلك بأننا نجد ذا القدرة يكتفي لذلك بإرسال من يقوم بالأمر والنهي بدل أن يذهب بنفسه ، ويكتفي الآخرون أيضاً بمن ذهب من الآمرين والناهين « 1 » .
وقد أورد الشيخ النوري الهمداني على الاستدلال بالسيرة بأنها مما لا يُعلم تعلّق الإمضاء به ؛ لأننا نعلم بأنّ كثيراً من أفراد المسلمين وآحادهم لم يلتزموا بهذه الفريضة أبداً ، أي لا على نحو الكفائية ولا على نحو العينية ؛ ومن أين نحرز إمضاء هذه السيرة واتصالها ؟ ! وإذا قيل : إنّ المقصود من السيرة هنا هو الارتكاز القارّ في ذهن المسلمين لا جريهم العملي ، فإنّنا نشكّك في صغرى هذا الارتكاز ، وعلى تقديره فليس كلّ مرتكز في الأذهان دليل شرعي « 2 » .
وهذه المناقشة جيدة ، فلعلّ هذا الارتكاز أو الجري العملي جاء من اشتهار فتوى الكفائية ، التي باتت هي السائدة اليوم ، فلا دليل على الاتصال حتى يحرز الإمضاء ، علماً أنّ السيرة بمعنى الجري والارتكاز قابلة لعروض المدركية عليها والمعيقة لها عن الكشف ، فلعلّ هذا الارتكاز أو الجري نشأ من فهمهم للأدلة أنها على نحو الكفائية ، فارتكازهم ليس بحجّة إلا بمزيد شواهد . بل كيف يتحقّق ارتكاز الكفائية مع ذهاب جماعة معتدّ بها من القدماء إلى العينية ، مثل الشيخ الطوسي والمحقق الحلي وابن مجد الحلبي و . . وعليه فلم يظهر لنا دليل واضح على إثبات كفائية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فالمفروض البقاء مع الإطلاقات والعمومات التي تفيد العينية .
هامش
( 1 ) انظر : المصدر نفسه : 362 .
( 2 ) نوري همداني ، أمر به معروف : 116 - 118 .