الآية ليست ظاهرة في البعضية غير المتعيّنة ، بل هي ظاهرة في أن ينتخب المسلمون من بينهم مجموعةً ، وبعد تعيّنها تكون هي الملزمة بالأمر والنهي ، وهذا لا يوافق مفهوم الكفائية إطلاقاً .
أما خبر مسعدة بن صدقة ، فهو - بغضّ النظر عن ضعفه السندي - لا يدلّ أيضاً على الكفائية ، فقد جاء في الخبر عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته يقول - وسئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأمة جميعاً ؟ فقال - : « لا » ، فقيل له : ولم ؟ قال : « إنما هو على القويّ المطاع العالم بالمعروف من المنكر ، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلًا إلى أيّ من أيّ يقول من الحقّ إلى الباطل ، والدليل على ذلك كتاب الله عز وجل ، قوله :
( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )
، فهذا خاص غير عام ، كما قال الله عز وجل :
( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ )
، ولم يقل : على أمة موسى ، ولا على كلّ قومه ، وهم يومئذٍ أمم مختلفة ، والأمّة واحد فصاعداً ، كما قال الله عز وجل :
( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ )
، يقول : مطيعاً لله عز وجل ، وليس على من يعلم ذلك في هذه الهدنة من حرج إذا كان لا قوة له ولا عدد ولا طاعة . . » « 1 » .
وهذا معناه أن مقصود الإمام البعضية مقابل الكلّية ؛ وتعيّن البعض يكون بتحقّق شروط العلم والقدرة ، فهذا مثل وجوب الحج ليس بثابتٍ على الأمّة ، بل على بعضها المشروط بالاستطاعة ، وأين هذا من الوجوب الكفائي ؟ !
هذا ، مضافاً إلى الاحتمال الذي طرحه المحقّق النجفي « 2 » في تفسير خبر مسعدة بن صدقة من أنّ المراد به الجهاد والقيام من الإمام ضدّ الحكومات الظالمة ولو
هامش
( 1 ) الكافي 5 : 59 - 60 ؛ وتهذيب الأحكام 6 : 177 - 178 ؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16 : 126 - 127 ، كتاب الأمر والنهي ، أبواب الأمر والنهي ، باب 2 ، ح 1 .
( 2 ) راجع : جواهر الكلام 21 : 361 .