وهنا ليس المكلّف به في الأمر والنهي تحقيق المعروف خارجاً ، بل هذه غايةٌ للأمر والنهي ، لا سيما على ما نبني عليه وسيأتي من النظرية الخاصّة فيما سمّي بالمرتبة الثالثة ، فتحقّق المعروف من الآخر ليس داخلًا في عهدة المكلّفين ، بل هو غاية لما دخل في عهدتهم ، وإنما الداخل في العهدة هو أمرهم الآخرين ونهيهم ، بغاية ائتمارهم ورجاء انتهائهم .
وبناءً عليه ، لا ينطبق العنوان المذكور على موردنا ، ومجرّد أنّ التكليف سقط عن الآخرين بانتهاء فاعل المنكر عن فعله المنكر لا يعني هنا أنه صار المطلوب هو تحقّق المعروف ، بل سقوطه إنّما هو لانعدام موضوعه خارجاً كأيّ حكم آخر .
المعيار الثاني : أن يميّز بينهما من خلال إمكان صدور الفعل من الجميع وعدمه ؛ فإن أمكن صدوره من الجميع كان التكليف عينياً كالصلاة والصيام بصرف النظر عن الطوارئ العارضة كالمرض ، وإن لم يمكن صدوره من الجميع اكتشفنا أنه ليس سوى واجب كفائي ؛ فالطبابة والنجارة والفقاهة والرئاسة و . . لا يمكن صدورها في وقت واحد من الجميع ؛ لأنه يلزم منه الهرج واختلال النظام ، من هنا نفهم أنها واجبات كفائية يراد تحقيقها في الخارج من الناس ولو بعضهم ، فإذا قام بذلك بعضهم سقط عن الآخرين .
وهذا المعيار ينطبق على بحثنا هنا ؛ لأنه لو عصى زيدٌ فلا يمكن أن يكلّف جميع الناس معاً بهدايته ؛ إذا ذلك مما لا يمكن صدوره عادةً من الجميع ، فيتعيّن أن يكون نهيه عن المنكر كفائياً .
وفي التعليق على هذا المعيار وتطبيقه في الخارج على موضوع بحثنا ، نقول :
أولًا : هذا المعيار لا ينسجم مع النظرية التي تقول في تفسير حقيقة الوجوب الكفائي بأنه وجوب متجه إلى الجميع ويسقط بفعل بعضهم ، فإنّ اتجاه الوجوب إلى الجميع يخالف عدم إمكان الصدور منهم جميعاً ، فكيف اتجه الوجوب إليهم
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 178
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٧٨