وأما كيفية معرفة أنّ المطلوب هو تحقّق الفعل خارجاً أو صدوره من المكلّفين ، فهي إما عبر دلالة النص لو كانت فيه مثل هذه الإشارة ، أو عبر تحليل مضمون الخطاب أو التكليف عقلائياً بحيث يُعلم من خلاله أنه لا يراد سوى تحقّق الفعل لا صدوره عن الجميع .
وهذا المعيار سليم تام إذا تحقّقت صغراه في موردٍ هنا أو هناك ، ولا يقصد من كونه سليماً أن التكليف تعلّق بالفعل نفسه دون أن يتوجّه إلى المكلفين ، فإن هذا أمرٌ يمكن تعقّله في الحبّ والبغض ، لكن لا يمكن فهمه - كما قال السيد محمد باقر الصدر « 1 » - في عالم جعل التكاليف ؛ لأنه عالم البعث والتكليف فلابدّ من فرض طرف آخر يراد بعثه وتحريكه ، وليس سوى المكلّف ، فنحن هنا لا ننفي اتصال الواجب الكفائي بالمكلّف من حيث لحوق التكليف له - بصرف النظر عن تحديد من هو المكلّف في الكفائيات - وإنما ننفي إرادة المولى حيثية الصدور من المكلّفين بوصفها المراد النهائي ، فيما هي مراد بالتبع لغايةٍ هي تحقّق الفعل خارجاً .
ولو أخذنا هذا المعيار في موضع بحثنا ، فقد يقال : إنّ الحقّ مع السيد المرتضى ؛ لأنّ العقلاء يفهمون من إيجاب هذه الفريضة تحقّق المعروف والإقلاع عن المنكرات ، لا صدور حالة الأمر والنهي من تمام المكلّفين في الخارج ، فالصدور ليس مأخوذاً بعين الاعتبار ، وإنما تحقق المعروف هو المأخوذ .
وربما يناقش هذا الكلام ، بأنه قد وقع فيه خلطٌ بين الغاية من الأمر والملاك والمصلحة المرجوّة منه ، وبين المراد المولوي فيه ، فالملاك من وراء الصلاة هو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر مثلًا ، ومعه فلا يمكن القول بسقوط الوجوب عند تحقّق الانتهاء المذكور ؛ وهذا بخلاف الواجب الكفائي فليست المصلحة فيه تحقّق الفعل فحسب ؛ بل المراد فيه - أي المكلّف به - تحقيق الفعل ، بعد أخذ حيثية تحقّقه ،
هامش
( 1 ) انظر : بحوث في علم الأصول 2 : 428 - 429 .