وأوضح منه ما لو أنكرنا أصل الوجوب العقلي واعتبرنا أنّه شرعي فقط ، وأنه لولا ورود الشرع فلا دليل من العقل عليه ؛ لأنّ العمدة حينئذٍ هو الدليل نفسه ، فلا تأثير لقاعدة اللطف على إيجاد إطلاق أو تقييد في الدليل .
هذا ، ومنه يظهر حال ما أفاده الشيخ اللنكراني من أنّ مطلوبية الأمر والنهي في باب المستحبّات والمكروهات شرعيةٌ صرفة لا عقليّة « 1 » .
2 - الأمر والنهي بين العقائدية والشرعية ، جدال المعتزلة والخصوم
المعروف أنّ المعتزلة كانت تذهب إلى عدّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلًا من أصول الدين « 2 » ، وقد وضعه القاضي عبد الجبار المعتزلي ( 415 ه - ) الأصل الخامس من هذه الأصول « 3 » ، وعُدّ الأصل العملي الوحيد من أصول الدين عندهم مقابل أربعة كلّها أصول نظرية « 4 » ، وهذا معناه أنّه قضية عقائدية ، وربما لهذا درج العلماء القدامى على وضع بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في علم الكلام ، مع إقرار بعضهم بأنهما إلى الفروع أقرب « 5 » ، حتى أنّ الفخر الرازي عندما
هامش
( 1 ) اللنكراني ، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة ( 16 ) ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : 24 .
( 2 ) أبو الحسن الأشعري ، مقالات الإسلاميين : 278 ؛ والعلامة الحلي ، تسليك النفس إلى حظيرة القدس : 228 ؛ والإيجي ، المواقف في علم الكلام 3 : 645 ؛ وابن عبد الرحمن الملطي ، التنبيه والردّ على أهل الأهواء والبدع : 30 ؛ وشرح العقيدة الطحاوية : 298 - 299 ، 521 ؛ لكن يذهب مايكل كوك إلى وجود شكوك في عودة فكرة كون الأمر والنهي من أصول الدين عند المعتزلة إلى زمن الاعتزال القديم مع مثل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ، فانظر له : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي : 302 .
( 3 ) شرح الأصول الخمسة : 501 فما بعد .
( 4 ) أحمد محمود صبحي ، في علم الكلام 1 : 166 .
( 5 ) انظر : عبد الملك الجويني ، الإرشاد إلى قواطع الأدلّة في أوّل الاعتقاد : 147 ؛ والتفتازاني ،