تخاطب سائر المكلّفين غير الفرد نفسه الذي يريد صدور الفعل الفاسد منه ، فإنّ مبغوضيّته منه لا تساوق مبغوضيّة التحقّق بشكل يكون غيره معنيّاً بها ، ودعوى وحدة المناط غير مفهومة ، فأنت بوصفك مولى من الموالي قد تبغض وجود الخمر في دارك فكلّ من يعرف من عبيدك ذلك عليه أن يرفع هذه المبغوضيّة وفاءً لحقّ المولويّة ، أمّا إذا كان ما تبغضه ليس تحقّق الأمر في الخارج وإنّما صدوره من زيد من عبيدك ، فهنا لا يعلم أنّ العقل يحكم بضرورة رفع عمرو للمبغوض ؛ لأنّه يرى أنّ المبغوضيّة متعلّقة بأن يفعل زيد هذا الفعل لا بالفعل في حدّ ذاته .
وبعبارةٍ أخرى : بغض الوجود يجعل المتعلّق أمراً واحداً وهو نفس الشيء في ذاته فيلحظ في علاقته مع الله تعالى دون دخول أي طرف ، أما مبغوض الصدور فيلاحظ فيه ثلاثة أطراف وهي : المولى سبحانه ، والفاعل ، والفعل ، وهنا لا يُعلم أن الله لا يريد مجرّد تحقق الفعل من الفاعل ، بل لعلّه يريد عدم تحقيقه الفعل لا عدم التحقق ، فيكون للفاعل مدخلية وتأثير في الجملة .
فالصحيح أن العقل يحكم بوجوب الأمر والنهي بمعنى عدم خلوّ المجتمع منهما ، لما في ذلك من الضرر اللاحق للاجتماع البشري عند النظر بنظرةٍ مجموعية ، بما يصل تأثيره غير المباشر إلى الفرد نفسه ، كما أنّه لو قبلنا كبروياً بقاعدة اللطف أمكن أخذ بعض النتائج منها كما تقدّم .
وعليه ، فوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقليٌّ من حيث المبدأ ، تؤكده النصوص الشرعية ، ولكنّه قابل لأن يكون شرعياً من حيث التفاصيل ، ولا يهمنا هنا أن الوجوب العقلي ثبت لذات الأمر والنهي أم للضرر وغيره فالمهم عندنا هو أصل ثبوته بعد ملازمة العنوان الموجب له . وسيأتي في خاتمة هذا الكتاب أن أغلب فروع الأمر والنهي يمكن استخراجها من العقل والبناءات العقلائية .
فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — صفحة 158
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٥٨