الصيغة الثانية : أن يُستدل على الوجوب العقلي بدليل لزوم دفع الضرر المحتمل ؛ إذ دلّت النصوص على أنّ ترك الأمر والنهي موجبٌ لحلول العذاب الذي يشمل التاركين أيضاً ، فلرفع الضرر المحتمل يلتزم بالوجوب عقلًا « 1 » .
وهذا الكلام غير واضح ؛ لأنّ مسألة الثواب والعقاب الدنيويين في غاية المجهولية ومعاييرها بيد المولى سبحانه ؛ ومثل هذا الاحتمال يمكن أن يرد لو تركت أمّةٌ بأكملها هذه الفريضة ، وتحقق ذلك بعيدٌ جداً عادةً ، ولو تحقّق في هذه الحالة العامّة فيكون وجوبه بملاك آخر ، بل بعنوان طارئ كما ذكره بعض « 2 » ، وأمّا الثواب والعقاب الأخرويّين فهما متفرّعان على مجيء الشرع بالموضوع ، وبعد مجيئه يحصل لنا علمٌ بوجوب هذه الفريضة ، فلا معنى لحكم العقل سوى توكيد هذا الأمر ، فهذا كحكمه بلزوم دفع ضرر النار يوم القيامة ، فهو متفرّع - فيما يتفرّع عنه - على التشريعات والاعتقادات المبيّنة في الشرع وهذا ما لا نبحث فيه هنا .
هذا ، وأمّا ما ذكره بعضهم من أنّ العقل يرى وجوب دفع الضرر المتوجّه إلى الشخص نفسه لا إلى غيره « 3 » ، فيظهر منه أنّه نظر إلى العقاب المترتب على صاحب المعصية التي يفترض النهي عنها ، فيما بحثنا هنا في العقاب المترتب على الآمر والناهي لتركه الأمر والنهي ، وإلا فلا معنى للاستدلال بلزوم دفع الضرر المحتمل بملاحظة الغير دون النفس .
هامش
( 1 ) انظر : الذخيرة في علم الكلام : 553 ؛ والسرائر 2 : 22 .
( 2 ) مجمع المسائل 1 : 376 ؛ وبه يظهر عدم صحّة ما ذكره القاضي عبد الجبار المعتزلي ( شرح الأصول الخمسة : 503 - 504 ) لتأييد نظرية أبي هاشم الجبائي في نفي الوجوب العقلي إلا في حالة ما لو رأى ظلماً فأحسّ بمضضٍ في قلبه فوجب عليه رفع هذا الضرر عن نفسه ، حيث لم يجد عبد الجبار حالةً فيها ضرر إلا هذه ، مع أنّ الضرر يمكن ثبوته في الحالات العامّة ، ونظرته كانت واضحةً في البعد الفردي الخاصّ .
( 3 ) انظر : الاقتصاد : 236 ؛ والسرائر 2 : 21 ، 22 ؛ ومجمع المسائل 1 : 376 .