إلى الإلجاء ؟ !
وعلى أية حال ، يناقش تقريب المنتظري والروحاني ، بأننا إذا رجعنا إلى عقولنا ووجدناها آمرةً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حاكمةً به ، ذامّة لتاركهما مندّدةً بمن يتخلّى عنهما بالمعنى العام للمعروف والمنكر ، لما يراه العقل من المصالح فيهما والمفاسد في تركهما كاختلال النظام « 1 » ولحوق الضرر بالفرد نفسه ولو عبر الوسائط أو لأجل الحسن والقبح . . . في مثل هذه الحال من قال : إنه يجب على المولى الحكيم أن يحكم ، فلعله يكتفي بحكم العقل ويراه محرّكاً كافياً للناس لتحقيق الأمر الحسن الصالح وترك السيئ . نعم ، الحكم على مستوى المصلحة والمفسدة أو العلم بالحسن والقبح ، أي عالم الملاك بلا اعتبار ولا جعل ، ثابتٌ ، فإنه إذا قطعنا - بالعقل - بوجود هذه الفريضة فهذا يحرز معه أنّ المولى - وهو الأعلم بالمصالح والمحاسن - عالم بما علمنا به عبر العقل ، لكنّ الكلام ليس هنا ، بل في ضرورة تدخّل المولى لجعل حكم واعتباره على عهدة المكلّف .
نعم ، إذا دلّ دليل النقل على أنه اعتبر وجعل - كما فيما نحن فيه - فهذا معناه اجتماع العقل والنقل ، كما قال الشهيد الأول ، لا بمعنى كشف العقل عن النقل ، ولا بمعنى عبثية حكم النقل ؛ لأن المولى قد يتدخل ويعلن الاعتبار التشريعي لأمر ما يكون العقل قد حكم به مسبقاً ، والغاية من ذلك ليس تسجيل موقف فقط أو لمحض الإرشاد ، بل رفع مستوى المحرّكية عند العبد ما لم يفهم ذلك درجةً من
هامش
( 1 ) ذهب المحقق العراقي إلى إنكار كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقدّمةً لحفظ النظام الواجب عقلًا حتى يكون الوجوب فيهما عقليّاً ( شرح تبصرة المتعلّمين - ط . ق - 6 : 531 ) ، لكنّ كلامه محلّ نظر ؛ فإنّه لاحظ الحالات الفردية المتفرّقة المختصّة بالواجب والحرام ، ولو أدخلنا - كما هو الصحيح - مجمل مظاهر الدعوة إلى الخير وفعل ما هو الصحيح في حياة العقلاء ، لرأينا كيف أنّ المجتمع الذي يخلو تماماً من هذه الظواهر سيصاب بالاختلال ولو في المستقبل القريب .