واجب وحسن ، لكن تحديد العقل الإنساني للعدل وتعيينه له عمليّاً يظلّ أمرٌ غير واضح . وهذا لا يخرم القاعدة وإنّما يفرض معوقات في تحديد موضوعاتها ومصاديقها .
ويمكن أن نضيف إلى ذلك : إنّ قاعدة اللطف إذا أيّد إجراؤها في مورد فيفترض أن لا تناقض نتيجتها الواقع نفسه ، وهذا أمر طبيعي ، وهنا إذا دلّ دليل عقلي على لزوم اللطف في موردٍ ما ، ثم وجدنا الواقع على خلافه في بعض الامتدادات ، فيمكن القول بثبوت القاعدة في المبدأ دون الامتدادات كلّها ، وليس هذا من الإبهام في حكم العقل حتى يقال بامتناعه ، بل هو واضح مفهوماً - أي المبدأ واضح المفهوم - كما في بياننا هنا ، والامتدادات تترك لمجالاتها التطبيقية للعقل النظري الذي يريد اكتشاف صدق العنوان المعيّن على المعنون في الخارج .
من هنا ، يكون الأصحّ - بعد فرض صحّة قاعدة اللطف نفسها - ما ذكره الشيخ المعاصر حسين النوري الهمداني من أنّ أصل وجوب هذه الفريضة عقلي باللطف ، أما أحكامها وشرائطها ومراتبها ومراحلها فلا سبيل للعقل إليها ، وهو أمر لا يختصّ - عنده - بهذه الفريضة ، بل يتعداه لفرائض عدّة « 1 » .
وربما يكون هذا ما يقصده الشهيد الأول عندما يقول : « ومدرك وجوبهما العقل والنقل » « 2 » ، وإلا فكلامه غير واضح ؛ لأنه إذا حكم به العقل لم تكن النصوص الشرعية دليلًا على الحكم بل مرشداً لحكم العقل ، وإذا حكم به الشرع عنى ذلك أنه لم يكن للعقل حكم ، ومعه قد يريد أنّ أصل الموضوع محكوم للعقل فيما مدياته محكومة للشرع . لكن سيأتي تفسير آخر لهذا الكلام .
رابعاً : قد يمكن تطوير صيغة الاستدلال باللطف هنا ، لتفادي إشكال
هامش
( 1 ) نوري همداني ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : 97 - 98 .
( 2 ) الدروس الشرعية 2 : 47 ؛ وانظر : اللمعة الدمشقية : 75 .