الوجوب في دائرة إرسال الرسل وإنزال الكتب والشرائع وبعث الأنبياء وغير ذلك ، فلا ينهار الدليل .
وبعبارة ثانية : إنّ الدنيا دار اختيار واختبار ، فلو فعل الله ذلك لبلغ حدّ الإلجاء ، فيدّعى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يختلفان بحسب الموارد ، فالفرد العادي يأمر وينهى بنفسه ، فيما رئيس البلاد يرسل الرسل والعمال والهيئات والموظفين لتولي المهام في البلدان ، والله تعالى رئيس الرؤساء فتكون مهمّته إرسال الآمرين الناهين وقد حصل ببعث الأنبياء ، بل بإيجابه الأمر والنهي على العباد ؛ إذ الأمر بالأمر أمرٌ والأمر بالنهي نهي « 1 » .
وهذا الكلام تام غاية التمام ، لكنه ينقصه أمرٌ ، وهو أنه إذا بنينا على تمام مديات قاعدة اللطف نقول : هل إنزال الكتب وإرسال الرسل بالطريقة التي حصلت لا توجد درجةٌ في الأمر والنهي أعلى منه لا تبلغ حدّ الإلجاء المانع من التكليف أم لا ؟ ألا يمكن لله تعالى مواصلة إرسال الرسل بالمعجزات كل يوم في أقطار المعمورة ؟ وألا يمكنه خلق الرؤى والمنامات المذكّرة للإنسان كل يوم ؟ ألا يمكن تكليم الدواب والجماد حتى تنطق فيؤثر ذلك على الناس ؟ هل حقاً إنّ ممارسة الله تعالى لدرجة أعلى في الأمر والنهي يساوق الإلجاء ؟ وما هو الدليل على هذا الكلام ؟
ثالثاً : ما نراه أنّه يدفع لمناقشة أصل هذا الانتقاد - وهي مناقشة تتصل بعض الشيء بقاعدة اللطف نفسها ببعض مظاهرها - وهو أنّ الأمر والنهي إن فسّرناهما بالدعوة اللسانية وما شابهها فقد حقّقها الله تعالى بلا موجب لفرض الإلجاء المنافي للطف نفسه ، وإن فسّرناهما بنحو الإطلاق والحدّ الأعلى فالعقل لا يحكم بوجوب
هامش
( 1 ) انظر : مختلف الشيعة 4 : 472 ؛ والروضة البهيّة 2 : 412 ؛ والمنتظري ، دراسات في المكاسب المحرمة 2 : 352 - 353 ، 354 - 355 ، 358 ؛ ونوري حاتم ، الأمر بالمعروف و . . : 53 ؛ وربما يفهم ما يتصل به من الشهيد الأول في الدروس الشرعية 2 : 47 .