ملاحظات على الأركان التي تقوم عليها تصوّرات الاتجاه الثاني ، وقلنا بأنّها لم تتمكّن من الاستجابة لتحدّي الواقع ، فاقتربت من الأصول التحتيّة ( مبدأ الشموليّة - حصر التشريع بالله ) ، لكنّها ابتعدت عن حلّ مشكلة الواقع والكشف عنها .
وأمّا الاتجاه الثالث ، والمتمثل بالعلامة محمّد مهدي شمس الدين ، فقد خطا خطوةً جريئة مقارنة بالاتجاهين السابقين ، حيث أقرّ بنقصان الشريعة النصيّة الصادرة ، لكنّه حافظ على شموليّة الشريعة الواقعيّة ، معتمداً في الوصول للشريعة الواقعيّة - في خارج دائرة النصوص - على مبادئ منهجيّة وضعتها الشريعة للوصول إلى الصيغ التنظيمية المتحرّكة زمكانيّاً .
وقد لاحظنا على هذا الاتجاه شدّة المفارقة في جمعه بين عدم صدور النصّ وشموليّة الشرع ، كما لمسنا شيئاً من الاضطراب في تسوية القضيّة وتحديد مرجعيّة التشريع في دائرة المجهولات ، وغير ذلك من الملاحظات .
وبهذا خلصنا للنتيجة الآتية : إنّ التيارات المدرسيّة ، وكذا التيّارات النهضوية المؤمنة بالشموليّة التشريعيّة للدين الإسلامي ، لم تقدر على تقديم تصوّر قانوني معقول يحقّق شموليّة الشريعة على امتداد الزمان والمكان بالمعنى التفصيلي للشموليّة ، بعيداً عن الحاجة للعقل الإنساني ( المؤمن ) الذي يساهم في وضع القوانين ( البشريّة ) ضمن إطار كليّات الشريعة والقيم العليا ، وبما لا يتصادم معها .
أمّا الفصل الثالث ، فقد خصّصناه لرصد الجهد الكبير الذي بُذل من قبل القائلين بالشريعة بحدٍّ أدنى لها ، وقد سعينا لاكتشاف نظريّاتهم التي تحاول تحديد مستويات حضور الشريعة في الحياة ، بعد فرض عدم شموليّتها .
وقد استعرضنا ثلاثة اتجاهات مركزيّة هنا هي :
اتجاه اخرويّة الدين ورساليّته ، والذي يمثله - بوصفه عيّنةً بارزة - كلّ من المهندس مهدي بازرگان والشيخ علي عبد الرازق ، وقد رصدنا مقاربات هاتين الشخصيّتين ومن انتصر لهما ، وسجلنا سلسلة من الملاحظات المنهجيّة والمضمونية على ما قدّماه .
اتجاه عَرَضيّة الشريعة وفرديّتها ، وهو الذي اخترنا له عينة بارزة تتمثل بالدكتور عبد الكريم سروش ومن انتصر له وأيّده في فهمه لموقعيّة الشريعة في الدين ، وأخذنا عليه العديد من الملاحظات .
شمول الشريعة — صفحة 754
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٥٤