تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 756

مساهمون:

ص٧٥٦
وقيمه الثابتة بوصفها حدوداً قاطعة من جهة ثالثة . وبهذا أعدنا تشكيل مفهوم : المزدوج النصي والعقلي في إنتاج القانون ، أو الإلهي والبشري ، أعني أنّ القانون صار عبارة عن جهود الشريعة الوحييّة وجهود العقل الإنساني نفسه ، وبهذا تتغيّر قواعد الاشتغال في منطقة الفراغ الحقيقي هذه المرّة ، ويعيد الفقه التعامل مع هذه المنطقة بطريقة أخرى . وخلاصة ما توصّلنا إليه أنّ الشريعة تحوي مجموعة الأحكام التفصيليّة غير القليلة ، إلى جانب القواعد التشريعيّة الدستوريّة والأخلاقيّة ، ونظام الحدود الحافّة بحياة البشر ، ومنظومة الأغراض والمقاصد الدينيّة التي تشكّل قِبْلَة المسلمين في حركتهم وسلوكهم الفردي والاجتماعي ، ولكنّها لا تغطّي جميع الوقائع وحاجات التقنين بشكل تفصيلي إلى يوم القيامة بتمامها وكمالها ، بل هي وضعت لتغطّي مساحات واسعة ، ثم لتضع حدوداً ومعايير ومسارات يتجه الإنسان من خلالها لسنّ قوانين ، تخدم هذه الأغراض وتتحرّك ضمن هذه المسارات المرسومة ، ومن ثمّ فالموقف في المستجدّ أو ما ليس أو لم يثبت فيه حكمٌ في الشرع ، هو ممارسة تقنين بشريّ يخضع لتمام مسارات التقنين وضروراته ومنطلقاته ، ثم عرضه على القواعد التشريعيّة والأحكام الأوليّة والحدود الإلهيّة ليس لإحراز عدم المعارضة فحسب ، بل أحياناً لترجيحه نتيجة إثبات الموائمة الأتمّ حيث يمكن ، وبهذا تتميّز نظريّتنا عن القوانين المدنيّة العلمانيّة الوضعيّة الخالصة ، فنحن لا نستهدف لاهوتاً عمليّاً ليبراليّاً يحذف الغيب والميتافيزيقيا ، لكنّنا في الوقت عينه لا نريد لاهوتاً عملانياً يتجاهل تماماً وقائعيات المادّة والدنيا ويغرق في التحليل التجريدي ؛ إذ باعتقادنا أنّ هذا النوع من اللاهوت هو الذي سوف يعزّز العلمنة المطلقة ( أعني حذف مرجعيّة الله في حياة الإنسان العمليّة تماماً ) بل والذهاب نحو اللادينيّة . . وبهذا كلّه أيضاً يغدو الخلاف الفقهي في الدائرة الحادثة قائماً على البرهنة على أنّ القوانين المقترحة منسجمة أو أكثر انسجاماً مع القواعد الدستوريّة والأخلاقيّة أو لا ، وهذا ما يفرض - باعتقادي - ذهنيّةً اجتهاديّة جديدة وواعية جداً ، ويؤصّل لفقه مقاصدي من نوع خاصّ . إنّ من يملك سلطة التشريع هو الجهة المخوّلة شرعاً تولّي الشأن العام في المجتمع ، وبهذا تكون الأحكام ولائيّةً حكوميّةً لا هي بالأوليّة ولا الثانويّة ، ومنشأ الإلزام ( النهائي ) يكمن في