الصيغة الرابعة : إنّه في كلّ حياة الإنسان - أكان للشريعة موقف أو لم يكن - لا يوجد أوّليّاً مرجع قانوني آخر غير الله تعالى ، وأنّ أيّ مرجع غير الله فلابدّ أن يكون كاشفاً عن موقفٍ ما لله وشريعته ، أو يكون قد استمدّ شرعيّته وصلاحيّته للتقنين من الله تعالى ، وليس قائماً في عرض هذا الموقف الإلهي ومنافساً له .
والذي رأينا أنّ الاتجاهات المدرسيّة تميل إجمالًا للتفسير الأوّل والثاني ، فيما توصّلنا نحن إلى التفسير الرابع ، ومن ثم فلا مانع أن تكون هناك مرجعيّات قانونية بشرية حقيقيّة تمارس فعل التقنين بتفويض أو ترخيص من الله لها في تحمّل هذه المسؤوليّة .
في المحور الثاني ، الذي خصّصناه للدراسة المفصّلة لأدلّة الشمول بالمفهوم المدرسي السائد له في الفقه الإسلامي ، عَرَضنا الأدلّة العقليّة التي بلغنا بها عشرة أدلّة ، وأخضعناها جميعاً للمناقشة والتحليل ، ثم انتقلنا للأدلّة القرآنيّة من خلال ثلاث مجموعات من الآيات الكريمة ، وحاولنا ممارسة تأمّل جادّ فيها ، لننتقل بعد ذلك لما اسمّيه بدليل العُرف الحاكي ( الإجماع والشهرة والسيرة المتشرّعيّة ) ، ونختم بدليل الحديث الشريف الذي أخذ منّا قدراً كبيراً من البحث والتحليل .
وقد خرجنا هنا بالاستنتاج الآتي : لم يقم دليل عقليّ أو عقلائيّ أو كلامي أو فلسفي حاسم على شموليّة الشريعة الدينيّة لكلّ وقائع الحياة ، بوصف ذلك مبدأ يقوم فهم النصوص ووعي الشريعة عليه ، كما لم نجد آية أو معطى قرآنياً واضحاً يُثبت الشمول التشريعي بالمعنى المدرسي للمفهوم ، وقد توصّلنا إلى أنّ غاية ما تسعفنا بعض النصوص القرآنيّة به هو ( الصيغة الرابعة ) المتقدّمة . أمّا الإجماع والارتكاز فلم نجد فيهما قيمة دالّة .
أمّا الحديث الشريف الذي يشكّل - إماميّاً - عمدة الدليل ، فوفقاً لنظريّتنا في حجيّة الحديث لم نجد ما يثبت غير الصيغة الرابعة .
وبهذا استنتجنا أنّ نظريّة الشمول ، بمعنى نفي خلوّ الواقعة - كلّ واقعة - من الحكم الديني ، وارتهان أحكام كلّ الوقائع للجعل الإلهي خاصّة ، لم تثبت بدليل ، وأنّ فرضيّة وجود مرجعيّة ثانية مترتبة على المرجعيّة الإلهيّة وواقعة في ظلّها ، لا نافي لها ، بعد مراجعة كلّ الأدلّة هنا ، وهي ما سمّيناه بمرجعيّة العقل المؤمن في التقنين ، وعنينا بها العقل الذي يقوم بسنّ القوانين التفصيلية في هدي كليّات الشريعة والقيم الروحيّة والدينية والأخلاقيّة والإنسانيّة .
شمول الشريعة — صفحة 752
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٥٢