تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 753

مساهمون:

ص٧٥٣
أمّا الفصل الثاني ، فقد مشينا فيه مع القائلين بنظريّة الشمول القانوني ؛ لنلاحق تفسيرهم لهذا الشمول على أرض الواقع ، وكيفيّة الموائمة بينه وبين قضايا الثابت والمتغيّر وقضايا المستجدّ الحادث ، وقد عرضنا ثلاثة اتجاهات أساسيّة هنا ، وتبيّن معنا أنّها تختلف في بعض الرؤى وتتوافق في أخرى . في الاتجاه الأوّل الذي ظهر ضمن خطّ ورؤية الحركة السياسيّة الإسلاميّة خصوصاً وحركة النهضة الإسلاميّة الحديثة عموماً ، لمسنا سعياً دؤوباً منذ بدايات القرن العشرين لسدّ الثغرات المترقّبة عبر مرجعيّة الدولة أو وليّ الأمر أو المجالس المنبثقة من الشعب ، وقد صيغت هذه الرؤية ضمن بيانات متعدّدة حاولت جميعها أن تخلع صفة الكمال على الشريعة في الوقت عينه الذي تعطي فيه وليّ الأمر سلطةً تشريعيّة أيضاً . ومن خلال ملاحظاتنا ومتابعتنا لهذه النظريّة بالغة الأهميّة ، لمسنا إقراراً مبطّناً منها بعدم الشموليّة ، حيث لاحظنا أنّ هذه النظريّة لم تتمكّن من حلّ معضل الشموليّة ، بل على العكس من ذلك تماماً فقد استبطنت نكراناً لها من حيث لا تشعر ، وإقراراً بمرجعيّةٍ قانونية موازية ، هي مرجعيّة العقل الإنساني المؤمن المتمثل بالسلطة الشرعيّة الصالحة . إنّ النقطة المركزيّة هنا كانت المفارقة الواضحة بين النظريّة وبين أصولها الكلاميّة والاجتهاديّة ، ولهذا فنحن نعتبر أنّ هذه النظريّة يمكن أن تشكّل شاهداً لنا على أنّ الفقيه المسلم النهضوي لمَسَ بوجدانه العملي عند خوض التجربة أنّ النصوص غير قادرة على سنّ كافة القوانين التي تلاحق الزمان والمكان ، وأنّ ثمّة حاجة لمرجعيّةٍ ما تساهم في وضع القوانين المؤقّتة ، لكي تتمكّن قوانين الشريعة من الاستمرار أيضاً . أمّا الاتجاه الثاني ، وهو الذي يمثل التيّار المدرسي في المؤسّسة الفقهية إلى يومنا هذا ، فبدا لنا أكثر انتباهاً لضرورة التوافق مع مبدأ حصر التشريع بالله سبحانه ، لكنّه لم يكتشف حقيقة الدور الذي يقوم به وليّ الأمر أو الدولة أو غيرهما في إدارة المتغيّرات والمستجدّات ، فتصوّرَ أنّ القضيّة مجرّد تطبيق للمعطيات الشرعيّة العامّة ، ولم ينتبه - كما انتبه الفريق الأوّل والثالث - إلى أنّ ما يتمّ القيام به عمليّاً هو أعمق من ذلك بكثير ، وأنّ الدولة تحتاج لسلطة تشريعيّة دانية ، تقوم بتسييل مقرّرات السلطة التشريعيّة العالية ( الله ) عبر إعادة إنتاج كليّاتها على شكل قوانين زمنيّة في بعض المساحات تُلاحظ الزمان والمكان والظروف والأحوال ، ولهذا سجّلنا سلسلة