على الاختبار وفقاً لمعايير الأغراض والمقاصد التي يضعها هو نفسه ، تعني أنّ الفقيه المسلم لم يعد يمكنه الاكتفاء بفتح علاقة مع النصّ ، بل صار مضطراً لفتح علاقة اختبار للنصّ أو اختبار لفهمه لنص عبر مقارنة الأمور بالواقع ، لكي يتمّ رصد مديات استجابة الاجتهاد الفقهي للغايات التي يقال بأنّ النصّ نفسه جاء لكي يحقّقها .
هذه كلّها تحدّيات قائمة باتت تفرض نفسها ، وصارت تتطلّب أن ندرس مجدّداً وبجديّة موضوعة الشموليّة القانونيّة وما الذي قدّمه الإسلام في هذا المجال .
جولة في أبرز نتائج الأبحاث والفصول
لقد عقدنا البحث في هذا الكتاب - بعد تمهيدات عامّة - ضمن ثلاثة فصول ، ختمناها بشرح تصوّرنا ورؤيتنا الخاصّة لإشكاليّة البحث .
ففي الفصل الأوّل ، درسنا مفهوم الشمول وأدلّته ضمن محورين :
في المحور الأوّل ، الذي خصّصناه لتحليل مفهوم الشمول التشريعي ، درسنا مقولة ( الحكم ) المستبطنة في الصيغة المدرسيّة لقاعدة الشمول ، وهي صيغة : ما من واقعة إلا ولها حكم ، ثم درسنا مفهوم الشمول والجامعيّة والكمال ، وحلّلنا المراد من ( الواقعة ) في متن قاعدة الشمول بصيغتها المدرسيّة .
وقد توصّلنا من خلال رصد هذه الأمور إلى أنّ نظريّة الشمول يمكن طرحها ضمن أربع صيغ :
الصيغة الأولى : كلّ فعل من أفعال الأفراد ، فله حكمٌ شرعي .
الصيغة الثانية : كلّ وضع فردي أو اجتماعيّ ، فللشريعة ردّ فعل تجاهه ، يتمثل في موقف شرعي عملي ديني يتصل بالواقعة نفسها وبالوضع ذاته ، يُطالب المكلّفون بالقيام به ليصلوا إلى كمالهم المنشود في ظلّه أو في ظلّ تغييره ، فالشريعة وضعت قوانين وأحكاماً للوقائع الفرديّة والجماعيّة كلّها ، ولم توكل وضع الأحكام لأحدٍ إطلاقاً .
الصيغة الثالثة : الشريعة وضعت قوانين واضحة لمساحة من حياة البشر غير شاملة لكلّ الوقائع ، وذلك عن علمٍ مسبق منها بأنّ حياة البشر تكتمل بهذه الطريقة ، وأنّه لا حاجة ولا مصلحة في سنّ أيّ قانون في غير هذه الدائرة ، وإنّما يُترك الأمر لمصلحةٍ في الترك .