تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 750

مساهمون:

ص٧٥٠
لكن هل وَعَيْنَا بشكل دقيق معنى أنّنا دخلنا عصر الحداثة وما بعده بكلّ ما للكلمة من معنى ؟ هل وعى الفقيه المسلم هذه الحقيقة فعلًا أو أنّه يكابر على نفسه بافتراض أنّ هذه الحلول القانونية التي اجترحها يمكنها أن تُسعفه في ردم الهوّة وتحقيق الهيمنة القانونية للشريعة الإلهيّة على الواقع بالمعنى الشمولي التفصيلي المدرسي لهذه الهيمنة ؟ هذه الأسئلة في غاية الأهميّة من وجهة نظري ؛ لأنّ وصول الفقيه المسلم إلى وعي اللحظة ليس أمراً بسيطاً ، بل هو حجر الزاوية ، ومن أركان وعي اللحظة وعي الوقائعيات التي بات يواجهها البشر ، وفهم العمليات القانونية البديلة التي يسير عليها البشر اليوم لحلّ مشكلاتهم ، فما دام الفقيه المسلم غير مدرك لهذين الأمرين بجديّة فلن يتمكّن من تحصيل وعي وجداني حقيقي للقضيّة المتنازع عليها هنا ، وهي قدرة الشريعة بذاتها على تقديم أجوبة لكلّ شيء في دوائر الفعل الإنساني ، وقد رأينا في تجارب الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة - بصرف النظر عن نتائج التجربتين - كيف أنّ البروتستانتيّة فهمت الحداثة مبكّراً نسبيّاً ، بينما قاومت الكاثوليكيّة ذلك أشدّ المقاومة ، الأمر الذي بلغ أوجه في المجمع الفاتيكاني الأوّل ( 1869 - 1870 م ) ، لتعود مع المجمع الفاتيكاني الثاني ( 1962 - 1965 م ) وما بعد ، للكشف عن إدراكها والتعديل في الكثير من مواقفها السابقة ، خاصّة بعد جهود سلسلة من كبار المفكّرين اللاهوتيّين ، من أمثال كارل رانر ( 1950 م ) ، وديلوباك وبالتازار وغيرهم . لستُ أعني بذلك أن يذهب الاجتهاد الشرعي نحو الاندماج بالواقع الذي أفرزته الحداثة وما بعدها ، ولا لإعادة تكوين ذاته وفقاً للبنيات التحتيّة والجذور العميقة لها ، بل وعي نتائج الحداثة بحقّ ، ليست تلك النتائج السلبيّة التي نملك قراءات نقديّة لها ، بل تلك النتائج القهريّة التي فرضتها الحداثة أسئلةً وتحدّيات ووقائعيّات أمام الفقيه المسلم ، هذا الفقيه الذي لم يعد يمكنه ، وهو يواجه اليوم أعظم التيارات الكبرى في العالم ، ويدّعي أنّ لديه قدرة المنافسة . . لم يعد يُمكنه أن يقدّم رؤيته وفقاً لثنائيّة التنجيز والتعذير التي قد تناسب الفقه الفردي ؛ لأنّ معنى شموليّة الشريعة ومركز تحدّي هذه الشمولية هو الفقه المجتمعي ، وهذا الفقه لا يمكن أن يضع حلولًا للمشكلات القائمة أو للوقائعيّات المستجدّة من خلال نظام الأصول العمليّة والتنجيز والتعذير ؛ وبهذا بات مقهوراً ومجبراً على أن يقبل باختبار ذاته في الحياة ، وهذه الموافقة
شمول الشريعة — صفحة 750 | حيدر حب الله