تمهيد
تنطلق فكرة القانون الشمولي من مقارنة الواقع بالنص القانوني نفسه ، في قدرة الأخير على الاستجابة لكلّ تحديات الواقع ومتطلّباته ، وقد اعتاد الاجتهاد الإسلامي على وعي هذه العلاقة بين النصّ والواقع بشكل يحفظ للنص قدرة الاستجابة ، مفترضاً أنّ الشريعة التي نزل بها الوحي على الأنبياء وصولًا إلى النبي محمّد صلى الله عليه وآله ، لديها طاقة التمدّد والاحتواء اللامتناهية ، وبهذا غدا النصّ محمّلًا بطاقة رهيبة في الاستجابة لكلّ متغيّرات الزمان والمكان ، ولكلّ مستجدات الحياة بمختلف أشكالها .
هذا النمط من التفكير وضع على كاهل المجتهد المسلم مسؤوليّةً عظيمة ، في تقديم الأجوبة لكلّ الأسئلة المفترضة ، واضطرّ الاجتهاد الإسلامي لاجتراح الحلول عبر مرجعيّات مساعدة من نوع القياس والمصالح المرسلة وولاية الأمر وغير ذلك تارةً أو من نوع الأصول العمليّة التي افترض أنّ أجوبتها كافية في معالجة أزمات الواقع بعد الاطمئنان لطاقتها الذاتيّة على الشمول وفقاً للقسمة العقليّة الحاصرة التي قدّمها علماء أصول الفقه فيها .
لكنّ ثقل الحوادث يوماً بعد آخر ، ودخول البشر عصر الثورة العلمية والتنوير والحداثة وغيرها من العصور وصولًا ليومنا هذا ، جعل المفكّر المسلم مثقلًا بالمسؤوليّات ، فلجأ للمرجعيّات المساعدة بشكل أكبر ، وحاول أن يعتبرها امتداداً لقدرة التشريع الديني نفسه ، خاصّة مرجعيّات من نوع ثلاثيّة : وليّ الأمر - المصالح المرسلة - القياس .
إلى يومنا هذا ، يلاحظ أنّ الفكر الديني الفقهي ما يزال مرتاحاً لهذه الحلول التي اجترحها ، وما يزال واثقاً بقدرتها على تأمين استجابة الشريعة للمتغيّرات والمستجدّات ، ومعنى هذا أنّه ما زال يربط بينها وبين الشريعة الإلهيّة ، فهذا الربط هو الذي يمنحه قدرة الإبقاء على ادّعائه العريض المسمّى بشموليّة الشريعة .