ذلك ما يراجع في محلّه .
بل يظهر من الرؤية الإسلاميّة أنّ فكرة الإلزام نفسها هي قانون طبيعي تفرضه طبيعة البشر الخطّاءة والعدوانيّة ، وهي الصورة التي قدّمها القرآن الكريم عن الإنسان في ميوله الجامحة دوماً نحو الرذيلة إلا المصلّين . . ممّن رحم الله ، وأبعد من ذلك ما يظهر واضحاً في الوعي المسيحي من تأثير الخطيئة الأولى للإنسان على انهياره الكامل وتدمير ذاته أو صيرورته عاجزاً عن النهوض إلا بفيضٍ من الله تعالى ولطف ، في الفكرة التي سادت بعد القديس أوغسطين ( 430 م ) ، وهذا التوجّه الديني - بصرف النظر عن تفاصيله - يعارض التوجّه الحداثي الذي ينظر للإنسان بتفاؤل شديد ، ويتطلّع لصلاحه الذاتي ويبرّر أخطاءه العابرة دوماً .
هذا ، وفي كلّ الموارد التي لا يشملها دليل حجيّة الفتوى ولا دليل الولاية ، فإنّه لا يوجد إلزام إطلاقاً إلا من داخل قناعة المكلّف ، بعد عرض قناعته على الفقيه ، كما قلنا آنفاً .
النظريّة المختارة ، النتائج والمُخرجات
نستخلص مما تقدّم في عرض تصورّنا المتواضع للموضوع ، الآتي :
أوّلًا : إنّ الشريعة تحوي مجموعة الأحكام التفصيليّة غير القليلة ، إلى جانب القواعد التشريعيّة الدستوريّة والأخلاقيّة ، ونظام الحدود الحافّة بحياة البشر ، ومنظومة الأغراض والمقاصد الدينيّة التي تشكّل قِبْلَة المسلمين في حركتهم وسلوكهم الفردي والاجتماعي .
ثانياً : إنّ نظام الأحكام في الشريعة لا يغطّي جميع الوقائع وحاجات التقنين إلى يوم القيامة بتمامها وكمالها ، بل هي وضعت لتغطّي مساحات واسعة ، ثم لتضع حدوداً ومعايير ومسارات يتجه الإنسان من خلالها لسنّ قوانين ، تخدم هذه الأغراض وتتحرّك ضمن هذه المسارات المرسومة .
ثالثاً : إنّ الموقف في المستجدّ أو ما ليس أو لم يثبت فيه حكمٌ في الشرع ، هو ممارسة تقنين بشريّ يخضع لتمام مسارات التقنين وضروراته ومنطلقاته ، ثم عرضه على القواعد التشريعيّة والأحكام الأوليّة والحدود الإلهيّة ليس لإحراز عدم المعارضة فحسب ، بل لإثبات الموائمة الأتمّ حيث يمكن .
رابعاً : إنّ الأحكام الأوليّة التفصيليّة حاكمة ومقدّمة على القوانين الحادثة ، تماماً كتقدّم