التفكير في الخروج من المشكلة أكثر من التفكير في جدوائيّة الحلّ المطروح للخروج منها ، بمعنى أنّ المشكلة كانت تلقي بثقلها على الباحثين فتدفعهم لاختيار أيّ حلّ ، ومن ثم لا نجد تفكيراً في طبيعة الحلّ نفسه بقدر التفكير في أصل الفرار من المشكلة ، مع أنّ الحلّ ربما يستبطن مشكلة أكبر من المشكلة القائمة اليوم .
اعتبار العالم المعاصر قَدَرَاً يجب القبول به ، وعدم خوض رحلة اجتهادية مع مسلّماته ، ومن ثمّ اعتماد سياسة التأقلم والتكيّف معه ، وهي السياسة التي وصفها الشاعر الفلسطيني محمود درويش ( 2008 م ) ، في الجملة المنسوبة إليه : ( أكبر تنازل تقدّمه في حياتك هو أن تتأقلم ) ، ومن المعروف أنّ الفكر الديني أمام خيارين : إمّا أن يحصل على البقاء والقوّة بهذا التأقلم أو يحصل على خلوصه ونقائه بالممانعة .
وما أبعد ما بين هذا التوجّه ، وتوجّه التيار النقدي الذي يتزعّمه أمثال رينيه غينون ( 1951 م ) في كتبه - مثل أزمه العالم الحديث ، وحكم الكمّ - ومن ينتصر له بدرجة أو بأخرى ، مثل فيتيوف شوان ( 1998 م ) ، وتيتوس بوركهارت ( 1984 م ) ، وصولًا إلى السيد حسين نصر ، ممّن أعادوا قراءة التجربة الغربيّة وتوصّلوا - خاصّة غينون - إلى أنّ الحضارة الحاليّة ليست سوى حضارة ستزول وتنتهي ، وليست قدراً ، بل هي ظلام لا ينبغي الاستسلام له واعتباره قدراً . . إنّ النقد - خاصّةً الأخلاقيّ - للحضارة الغربيّة ليس عمليّة سهلة أبداً ، بل تحتوي قدرة كبيرة على التأمّل وتخطّي سلطة الغرب القائمة اليوم على النفوس والعقول ، وهو ما يمثل تمرّداً فكريّاً عظيماً . ولست أعني صحّة ما قاله النقّاد برمّته ، بل أعني أن نقرأ التجربة بروحٍ مستقلّة غير منتهية الصلاحية . كما لا أريد أن أطيل هنا بالإرجاع إلى القراءات الأخلاقيّة النقديّة لباحثين غربيّين كبار ، اعتبروا أنّ نتائج التنوير والحداثة ومآلات الحياة المعاصرة القائمة على نظريّة الفردانيّة ، تؤدّي إلى نهايات مأساويّة ، وأحيل هنا بالخصوص على كتاب ( بعد الفضيلة ، بحثٌ في النظريّة الأخلاقيّة ) للفيلسوف الأخلاقي الاسكتلندي المعاصر ألسدير ماكنتاير ، الذي يرى التوأمة بين الفردية والأنانيّة ، الأمر الذي يجعلهما عنده غير قادرتين على بناء المجتمعات الأخلاقيّة .
اعتماد مبدأ تحييد النصّ ( الصمت النصّي ) في الوصول إلى حلول للمشكلة القائمة ، والتركيز على محوريّة الإنسان في كلّ شيء تقريباً ، بل كأنّ الإنسان يشعر أحياناً من بعض الكلمات بأنّ
شمول الشريعة — صفحة 744
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٤٤