المدرسة الأولى : وهي المدرسة الشكليّة ، والتي تعتقد بأنّ منشأ الإلزام عبارة عن إرادة الحاكم وصدور القانون من جهته ، ووجود عقوبة على مخالفة هذا القانون . وقد انتصر لهذه المدرسة الفيلسوف الإنجليزي أوستن (
Austin )
، على خطى توجّهات أمثال هيجل ومن قبله . . كما انتصر لهذه المدرسة أنصار تقديس النصوص في فرنسا ، ووفقاً لذلك تواجه هذه المدرسة إشكاليّة الإلزام في القانون الدولي ، حيث لا توجد دولة فوق كلّ هذه الدول تصدر لها قوانينها .
المدرسة الثانية : وهي المدرسة الموضوعيّة ، مثل الاتجاه الذي يؤمن بالقانون الطبيعي الذي يعلو على كلّ القوانين المدوّنة ، ويقوم بتعديلها وتغييرها ؛ لأنّه هو الذي يملك السلطة في الحقيقة ، ويسمح وفقاً له بحصول السيرورة والصيرورة في القوانين ويرفع عنها الحرفية والجمود ، انطلاقاً من التحليل التاريخي الذي يقول بأنّ الفكر الأخلاقي هو الذي كان دائماً يطوّر الفكر القانوني . بل إنّ هذا القانون الطبيعي هو الذي يولّد الدولة عبر التعاقد الاجتماعي الذي يحتكم لقانون الوفاء بالمعاقدات ، وهو من أسمى القوانين . وبهذا تكون هناك قوانين طبيعيّة ترجع للعدالة ، ويتم الكشف عنها عبر العقل ، وتمثل معايير سلامة القوانين الوضعيّة ، والدولةُ تُظهِرُ هذه القوانين وتقوم بإنفاذها لا أنّها التي تقوم بإنشائها وخَلْقِهَا ، وإلزاميّة هذه القوانين من بُعدها الطبيعي ، لا من كونها منشأة من قبل الدولة .
وثمّة توجّه منافس لنظريّة القانون الطبيعي في المدرسة الموضوعيّة ، وهي المدرسة الزمكانيّة الظرفيّة ، حيث تعتبر أنّ الجغرافيا والتاريخ والشعوب تنبثق منها قوانين ، فلا توجد قوانين شاملة طبيعيّة موحّدة ملزمة ، بل طبائع الشعوب وعاداتها وتقاليدها ودياناتها هي التي تخبرنا عن طبيعة القانون الحقيقي الكامن فيها ، مما يفرض تغيّر القوانين بتغيّر الشعوب والأعراف .
وفقاً لهذا التقسيم ، تبدو اطروحتنا هنا قائمة على البُعدين الشكلي والمضموني معاً ؛ لأنّها تفرض قاعدةً موضوعيّة لا يمكن للقانون أن يصبح لازماً من دونها ، بل يمكن محاكمته على تقدير مخالفته لها ، وهي الخطوة الأولى من الخطوات الأربع التي شرحناها سابقاً عند الحديث عن آليّة وضع القوانين في منطقة الفراغ التشريعي ، عنيت القواعد والأصول والمعايير والحدود العقليّة والشرعيّة والأخلاقيّة التي تمثل القاعدة التي تحكم عمل المشرّع والمقنّن هنا ، ولو أنّه تخلّى عنها فلن تكون قوانينه ملزمةً وفقاً لما توصّلنا إليه ؛ وتفرض أيضاً بُعداً شكليّاً - تبعاً لأدلّة