صغيرة يمكنها أن تتخلّى عن كلّ هذا الواقع المحيط ، دون أن نفكّر بأنّنا أمّة مسلمة كبيرة يتطلّب الواقع منها أن تقدّم حياة مثلي أو على الأقلّ حياةً ممكنة ومعقولة . . هذا التبسيط يشي بأنّ قائله قد لا يكون قد استوعب بدقّة معنى منطقة الفراغ وتأثيرها الخطير على سير الحياة الإنسانيّة .
لا أدافع هنا عن الإسلام السياسي المعاصر ، بل أدافع عن الإسلام الذي يمكن للمنتمين إليه - بوصفهم أمّة - أن يعيشوا حياةً معقولة ، وحظر التقنين في منطقة الفراغ مع ادّعاء تعطيل الشريعة المجتمعيّة في عصر الغيبة ، يساوي استحالة العيش للأمّة ، وإن أمكن العيش لهذا الفرد أو ذاك من المتديّنين ، فأرجو التأمّل جيّداً ، ولهذا نحن نضع الحلول السابقة ضمن مفروض مسبَق ، وهو استحالة الصمت الديني تجاه هذه القضايا العامّة ، في الوقت الذي يمنع الدين غير الله من التشريع والتقنين إلا بترخيص منه سبحانه .
ج - الجوانب الوظيفية الفرديّة غير المجتمعيّة
قد لا تكون القضيّة في بعض الأحيان ذات سمة سلطويّة مجتمعيّة تنتمي للشأن العام ، بل قضيّة عمل المكلف ووظيفته الفرديّة ، فلو جاء مورد فردي جدّاً ، لا تتصدّى له القوانين المجتمعيّة ، كما في حالة الصلاة في القطب الشمالي - على سبيل الفرض المحض - ففي هذه الحال لا يوجد إطلاق في دليل الولاية يثبت سلطة وليّ الأمر في هذه الحال بحيث تكون هذه من مختصّاته ؛ لأنّها شؤون فرديّة بحتة ، فإذا تصدّى لها فبها على قول ، وإلا رجع المكلّف إلى نفسه واستشاراته ، واختار خياراً من خيارات ، ثم عاد للفقيه ليتأكّد من أنّ هذا الخيار أو ذاك غير منافٍ للشريعة بل متوالم معها ، وهذا كافٍ ، ولا دليل على غير هذا أصلًا .
منشأ الإلزام في القانون البشري
من الواضح أنّ فكرة القانون تتضمّن مفهوم الإلزام المباشر أو غير المباشر ، فعندما نتكلّم فيمن له سلطة التشريع فمن الطبيعي أنّ من يثبت له ذلك سوف يكون منشأ الإلزام في قوانينه هو بعينه منشأ منحه سلطة التشريع .
ولكي نوضح موقعنا من نظريّة الإلزام ، لا بأس بتوضيح التوجهات العامّة في هذه النظريّة ، فقد انقسم الفقه الوضعي إلى مدارس عدّة في منشأ الإلزام ، أبرزها مدرستان :