الدائرة التي تعنينا هنا الآن - فمن المنطقي أن تكون ولاية هذه السلطة نافذةً بلا مانع ، فمن يُطلِق الأحكامَ الولائيّة هو هذه السلطة ، لا المؤسّسة الفقهيّة التي سوف تنحصر وظيفتها في إبداء الموقف الإيجابي من القوانين من زاوية علاقتها بالشريعة الإسلاميّة .
ويبدو أنّ هاتين النظريّتين العمدة في الاجتهاد المجتمعي الإسلامي ، لا تقبلان بنفوذ القوانين التي تشرّعها الدول غير المسلمة ؛ إذ حتى مثل نظريّة ولاية الأمّة على نفسها لا تتحمّل - كما يتوقّع - فكرة ولاية غير المسلم على المسلم ، في حال كان المسلمون أقليّةً في مجتمع غير مسلم محكوم بسلطة غير مسلمة أساساً فضلًا عن أن تكون إسلاميّة ، ومن ثمّ فتلك القوانين خارجة عن موضوع بحثنا ، وداخلة في موضوع فقه الأقليّة المسلمة في التعامل مع الأكثريّة غير المسلمة .
أمّا القول بأنّنا في عصر عدم ظهور المعصوم - شيعيّاً - لا علاقة لنا بكلّ هذه المنطقة الفارغة ، فيما مفروض حلولكم هو وجود موقف للإسلام في عصر عدم حضور المعصوم من كلّ هذه القضايا ، ومن ثمّ فأنتم تقدّمون لنا الأفكار من داخل نسق الإسلام السياسي . . غير دقيق أبداً ؛ إذ عندما نفرض أنّ حقّ الحكم مختصٌّ بالله سبحانه ، كما قلنا في النصوص القرآنيّة في الفصل الأوّل من هذا الكتاب ويقوله التيار المدرسي المسلم أيضاً ، ثم نفرض أنّ الأحكام الشرعيّة مجمّدة في عصر الغيبة ، ومع ذلك كلّه نفرض أنّه لا يوجد حقّ ولا تفويض ديني للإنسان بإدارة ذاته وسنّ قوانينه في عصر الغيبة . . إنّ هذا الثلاثي معناه أنّ الإسلام في عصر الغيبة يقدّم لنا رؤية غريبة للغاية وغير معقولة ، فهو يقول : اتركوا الأمور كما هي ، فلا تقنّنوا ، وفي الوقت عينه فإنّ تنفيذ قوانين الإسلام المجتمعيّة مؤخّر لعصر الظهور ! إذن كيف يعيش الناس في هذا العصر اليوم ؟ ! هل يدرك من يقول بمثل هذه المقولة ما الذي ستؤول إليه الأمور في حياة البشر لو أجرينا شيئاً من هذا القبيل ؟ !
إنّ هذا التصوّر الذي يبسّط الأمور لم يدرك بجديّة بعدُ - فيما أظنّ - معنى حاجات البشر لنظم أمرهم في كلّ عصر ومصر ، وأنّ البديل عن هذا ليس إلا شيوع الظلم والقهر وسلطة الغاب ، فأيّ شريعةٍ هذه تأتي بمثل ذلك ؟ ! ومساحة منطقة الفراغ ليست مجرّد مسألة أو مسألتين ، بل هي مساحة كبيرة ومهمّة جدّاً في حياة البشر ، وتشكل دائرة مصيريّة لا يمكن العيش من دون تنظيمها ، ومن ثم فتبسيط الأمور وكأنّنا نفكّر بذهنيّة أنّنا مجموعة متديّنة
شمول الشريعة — صفحة 737
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٣٧