تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 734

مساهمون:

ص٧٣٤
المسير الذي تحدّثنا عنه فيما سبق ، فلو أخلّت السلطة الشرعيّة به - كما لو سنّت القوانين بدون الرجوع إلى الفقهاء لتصويبها وإبداء عدم تناقضها مع الشريعة - لم تعد لها هذه الولاية في هذه القوانين . وبتعبير آخر : إنّ من يملك سلطة التشريع ملزمٌ أن يراعي هذا المسير القانوني حتى يصبح حكمه الولائي نافذاً ، ومن ثمّ فلو اعتمد مجرّد المصلحة بلا رجوع لكلّيات الشرع ولا اعتمادٍ على مجيء أحكام ثانويّة تجمّد الأحكام الأوّليّة التي قد تنافيها الأحكام القانونيّة الجديدة . . ففي هذه الحال لا قيمة لهذه التشريعات البشريّة في نفسها ، وربما لهذا لو كنّا أمام صيغتين قانونيّتين إحداهما أفضل من الأخرى ، لكنّ الاثنتين تنسجمان مع الأغراض الشرعيّة وتفيان بمتطلّبات حلّ المشكلة القائمة ، فإنّ الإلزام بالأكثر انسجاماً يحتاج لتأمّل كبير في طبيعة حساسيّة الموضوع . وهذا ما يضع نظريّتنا هنا في سياق النظريّات التي تقلّص - بشكلٍ نسبي - سلطة الدولة ، وتبدو أكثر ليبراليّةً من هذه الناحية ، بعيداً عن الحمولة السلبيّة لهذا التوصيف في الفضاء الديني المعاصر ، وفي المقابل تبدو نظريّتنا متماهية أو متقاربة مع النظريات التي تجعل سلطة الإلزام في القانون من شؤون الدولة ، فتقترب من التفكير الهيجلي . يشار أيضاً إلى أنّ التشريعات القانونيّة البشريّة لا يجب أن تكون حلًا لمشكلة قائمة بالفعل ، بل يمكن تصوّرها وقايةً من مشكلة آتية يتوقّع حصولها لو ترك الأمر ، فإنّ العنوان الثانوي قد يلحق هنا ؛ لتجميد الأحكام الأوليّة وتوفير الأرضية للمقنّن البشري لسنّ قوانينه الوقائيّة الضروريّة هذه . وينجم عن هذا كلّه ، أنّ هذه القوانين ما دامت غير دينيّةٍ ، فإنّ الاعتراض عليها أو الدعوة لاستبدالها بمقترحاتٍ قانونيّة أخرى ، لن تكون ابتداعاً في الدين ولا مواجهةً له ، وسيكون النقاش فيها والاعتراض عليها واقتراح بديلٍ لها أمرٌ جائز لا إشكال فيه ، نعم ما دامت نافذة الإجراء فإنّ وجوب طاعتها عمليّاً قائمٌ ، انطلاقاً من حيثيّة الإلزام الآتية الإشارة إليها قريباً ، إن شاء الله .

ويتبع هذا الموضوع ( من يملك سلطة التقنين ) ، ثلاثة موضوعات :

أ - المديات الزمنيّة للقانون

ثمّة سؤال هنا : هل ينتهي هذا القانون بموت المقنّن أو بموت السلطة بوصفهم أفراداً أو
شمول الشريعة — صفحة 734 | حيدر حب الله