من يملك سلطة التقنين البشري ؟ وما هي هويّة القانون الصادر ؟
بعد أن فرغنا عن وجود منطقة فراغ حقيقي ، وتوصّلنا إلى أنّه يجوز الاشتغال القانوني البشري عليها ، يُواجهنا - ونحن نصوغ نظريّتنا - سؤالٌ حقيقي متوقّع : من يملك سلطة التشريع والتقنين هذه ؟ ومن هو المخوّل شرعاً أن يمارس هذا الأمر ويقدّم للناس هذه القوانين لكي يتمّ إجراؤها ؟
هذا السؤال على صلة وثيقة بموضوع عنصر الإلزام في هذه القوانين ، ولولا عنصر الإلزام فبإمكان أي جهة أن تمارس العملية التقنينية التي تحدّثنا عن خطواتها سابقاً ، وتُبدي رأيها القانوني ، إلا أنّه حيث كان لابدّ من جهة مخوّلة بفعل ذلك بحيث يكون تشريعها نافذاً ويحظى بإلزام شرعي ، لهذا كان لابدّ أن نعرف من هي هذه الجهة في الشريعة الإسلاميّة ؟ وما هي صفاتها ؟
قد يتمّ هنا تقديم تصوّرين :
التصوّر الأوّل : إنّ مهمّة المشرّع هنا ذات طابع مزدوج ، فمن جهة عليه أن ينطلق من روح القواعد الدستوريّة التي أقرّتها الشريعة الإسلاميّة ووضعتها ، الأمر الذي لا يتسنّى بدون وعي فقهي معمّق لها ، كما يعمل - من جهة أخرى - على سنّ قوانين تتناسب مع الواقع القائم ، الأمر الذي يستدعي خبرويّة خاصّة بطبيعة الواقع وتعقيداته والبدائل التي يمكن توفيرها له وترجيح بعضها على بعض .
من هنا ، فهناك نوع تعدّدٍ في المقنّن ، بحيث يكون دور الأوّل سنّ القوانين من منطلق وعي الواقع ، فيقوم بتقديم الخيارات القانونيّة الممكنة لحلّ مشكلة كلّ مستجدّ ومتغيّر لا نصّ فيه ، فيما يقوم الثاني بأخذ هذه القوانين ودراستها ، لا من الزاوية الواقعيّة والميدانية ، بل من زاوية موافقتها للنصوص وروح الدستور والقانون ، لتحديد أيّ من هذه الحلول القانونيّة أوفق بالقواعد والحدود الشرعيّة الناظمة ذات الطابع الدستوري ، والأوّل لا يحتاج إلى فقاهة على خلاف الثاني الذي يحتاجها من منطلق الحاجة لتعيين القواعد الشرعيّة العامّة .
وفي هذه الحال ، لا نكون بحاجة أساساً إلى فكرة وليّ الأمر بالضرورة ، بل نحن بحاجة إلى فكرة الفقيه إمّا المطّلع على الواقع في المجال الذي يراد فيه سنّ القوانين أو تقف معه هيئة قانونيّة تملك تلك الخبرويّة .