الاستجابة لذات القاعدة ، فيما المُنتج للقانون هو الإنسان ، وليس الله .
وبتعبير آخر : إنّ خلع صفة ( الفتوى ) على لوائح القانون هذه ، يعني أنّ دورنا بات اكتشافيّاً لحكم الله في الواقعة ، والحال أنّ مفروض بحثنا هنا عدم شموليّة الشريعة ، وهذا لا يتّسق مع استنتاج فتوائيّة القوانين الصادرة .
التصوّر الثاني : أن نعتبر أنّ من يملك سلطة التقنين هنا هو الجهة التي تملك سلطة الإدارة المجتمعيّة ، فهذه الجهة هي المتولّية لهذا الأمر ، بمعنى أنّ المطلوب منها توفير الخبراء في العلوم المختلفة للقيام بتحليل الظاهرة المراد سنّ القانون لها ، ثم عرض النتائج على الفقهاء والقانونيّين ، فيقوم القانونيّون - ولا مانع أن يكون معهم فقهاء - بوضع صيغ قانونية للحلّ ، ثم يتمّ عرض هذه الحلول على الفقهاء لكي يستنتجوا منها عدم التنافي أو يستنتجوا منها الموائمة مع مقاصد الشريعة وغاياتها وأحكامها . وهذه العمليّة برمّتها ، تقع ضمن نظام السلطة المجتمعيّة نفسه ، وتقوم هذه السلطة في نهاية المطاف بتحويل ناتج هذه العملية التقنينيّة إلى قانون نافذ الإجراء .
وفارق هذا التصوّر عن سابقه أنّ كلّ هذه العمليّات تصبح جزءاً من عمل السلطة نفسها ، ليكون الناتج قراراً من السلطة ( النظام الحاكم في البلاد ) ، وبهذا تصبح هويّة القانون هويّة ولائيّة ، بمعنى أنّها هويّة سلطويّة ، على عكس التصوّر السابق الذي كان ناتج هذه العمليّة فيه هو الفتوى ، وليس الحكم الولائي الحكومي . وقد قلنا سابقاً في الفصل الثاني من هذا الكتاب بأنّ الأحكام الولائيّة ليست أحكاماً شرعيّة لا أوّليّة ولا ثانويّة ، فراجع .
وإذا أصبحت هذه القوانين أحكاماً ولائيّة ، أي أحكاماً تأخذ سلطتها من سلطة المشرّع بوصفه حاكماً ومتولّياً شؤون المجتمع ، فمن الطبيعي أن تكون أدلّة سلطة الدولة أو الإدارة المجتمعيّة هي المرجع لنا هنا ، فكلّ أدلّة الولاية - على اختلاف الاجتهادات الفقهيّة - ستعتبر هنا دليلًا على منح سلطة التشريع لمن ثبتت له هذه الولاية بشروطها ، وليس أدلّة حجيّة الفتوى كما هو واضح ، وهذا هو الصحيح ، ومن ثمّ فدليل جعل الولاية في مجال الشأن العام يكون شاملًا بوضوح لمنطقة الفراغ الحقيقي ؛ إذ هي من أبرز وأجلى مساحات الشأن العام في كلّ عصرٍ ومصر .
ومن الطبيعي أيضاً أن نشرط في صدور هذه الأحكام الولائيّة أن يكون مسيرها التقنيني هو
شمول الشريعة — صفحة 733
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٣٣