تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 732

مساهمون:

ص٧٣٢
وهذه نقطة اختلاف هذا التصوّر مع الطروحات المتقدّمة في الفصل الثاني ، فقد لاحظنا كيف أنّ فكرة وليّ الأمر كانت حاضرة بقوّة عند غير واحد من المنظّرين المسلمين . إلا أنّ ما نراه هو أنّ هذه الفكرة لا نحتاجها بالضرورة ؛ لأنّ ما يصدر من قوانين لا يصدر بوصفه قوانين ولائيّة حتى نشرطها بولاية الأمر ، بل هي قوانين فقهيّة ، غاية الأمر أنّ طبيعة الاجتهاد الفقهيّ فيها تختلف عن الاجتهاد في الأحكام الأوّلية الواردة في النصوص مباشرةً أو عبر العموم أو الإطلاق ، فهناك كان الفقيه يرجع للنص ليعرف حكم الواقعة نفسها ، فيرى عقد التأمين فيطبّق عليه عموم الوفاء بالعقود ، ويستنتج حكمه مباشرةً ، أمّا هنا فلا يملك الفقيه نصوصاً من هذا النوع ، بل هو يرجع إلى الحدود والقواعد التشريعيّة العامة ذات الطابع الدستوري ؛ ليرى أيّ القوانين المقترحة بشريّاً هو الأوفق بها والأكثر انسجاماً معها جميعاً . وبناءً على هذا التصوّر يصبح الناتج عن هذه العمليّة عبارة عن ( فتوى ) ، ويأخذ شرعيّته وسلطته من سلطة الفتوى ، فكلّ أدلّة حجيّة الفتوى سوف تكون هنا هي المحكّمة ، والمعطيات والنظريّات الاجتهاديّة في حجيّة الفتوى ستكون هي الحَكَم هنا . وإذا أخذنا بمرجعيّة الفقيه بما هو فقيه هنا ، فمن الطبيعي أيضاً الحديث عن قواعد الاجتهاد والتقليد ، فمثلًا لو شرطنا في المرجع الأعلميّة لزم أن يكون المرجع الذي يقوم بتصويب هذه القوانين من الزاوية الشرعية هو الأعلم ، ومن ثمّ تختلف نتائج ومواقف المكلّفين تبعاً لتقليدهم في هذه الحال ، فقد يكون قانون ما موافقاً للشريعة فيمضيه المرجع اجتهاديّاً - بهذا المعنى للاجتهاديّة - فيما يراه مرجعٌ آخر غير متوالم مع القواعد الشرعيّة والحدود الدينيّة . إلا أنّ الصحيح بنظري أنّ هذا التصوّر كلّه ، غير منسجم مع البنية التحتيّة التي توصّلنا إليها فيما سبق لنظريّة عدم الشمول ، بل هو يرتدّ إلى ذهنيّة الشمول ، وهنا أنا دائماً أدعو القارئ للتفكير من داخل فضاء نظريّة عدم الشمول والتحرّر تماماً من فضاء الشموليّة ، لكي يفهم صورة الأمر بشكلٍ أوضح ، فإذا قلنا بأنّ هذه النتائج القانونيّة هي عبارة عن موقف فقهي ، ومن ثم ستكون نوعاً من الفتوى ، فنحن ما زلنا نفكّر بذهنيّة شمول القواعد العامة للوقائع الحادثة ، وهذا ما يقع على العكس تماماً من فكرة عدم الشموليّة المفروض أنّنا نبني عليها هنا ؛ لأنّه يعطينا أنّ هذه القوانين البشريّة هي مصداق محض للقاعدة الشرعيّة ، وكأنّ القاعدة تدعو بذاتها إليها بعنوانها ، مع أنّ القاعدة لا تُنتج لائحة القانون هذه ، وإنّما تُنتج الدعوة إلى
شمول الشريعة — صفحة 732 | حيدر حب الله