التشريع أو الرخصة فيه ؟
قبل الجواب عن هذا السؤال ثمّة سؤال يواجهنا ، ونحن نسأل السؤال السابق : لماذا نبحث أصلًا عن مشروعيّة فعل التقنين البشري ما دامت المنطقة هي منطقة فراغ ؟ أليس من الأجدر تخطّي سؤال المشروعيّة نفسه ما دام المشرّع الإلهي لم يعد له حضور قانوني في هذه المنطقة الخالية ؟
إنّ سؤال المشروعيّة نفسه ينطلق من نتائج ما توصّلنا إليه في بحوث الفصل الأوّل من هذا الكتاب ، خاصّة عند البحث في المستندات القرآنيّة لنظريّة الشمول التشريعي ، حيث قلنا هناك بأنّ النصوص القرآنيّة تدلّ على حصريّة الحكم بالله تعالى ، ضمن المجال القانوني ، وأنّها تمنع عن فرض مرجع قانوني آخر غير الله يكون في عرضه ، لكنّها لا تمانع عن فرض مرجعيّة قانونيّة أخَذت قيمتها من الحكم الإلهي مسبقاً أو تأكّدنا من أنّ الله راضٍ بالأخذ منها وموافقٌ في شرعه على ذلك ، بعد أن لم يتصدّ هو مباشرة للتقنين في دائرة عمل هذه المرجعيّة القانونيّة .
فانطلاقاً من هذه النتيجة يغدو سؤال المشروعيّة ضروريّاً ، وذلك أنّ منطقة الفراغ صارت خاليةً ، وعلينا أن نرجع لله تعالى لنعرف ما إذا كان يأذن لنا أو يطلب منّا أن نقنّن في هذه الدائرة الفارغة ؛ إذ لو ثبت أنّه لا يرخّص لنا بذلك أو لم نحرز إذناً منه في هذا الأمر ، كان حكمنا فيها منافياً لحصريّة مرجعيّة الحكم بحكم الله سبحانه في كلّ الأمور .
وبناءً عليه ، يمكن الاستناد لإثبات الترخيص الشرعي في ممارسة التقنين البشري في دائرة الفراغ هذه إلى توليفة أمور ، أبرزها :
1 - مرجعيّة البراءة ، فبعد عدم قيام دليل على المنع عن هذا الفعل الذي يريد البشر التواضع عليه فيما بينهم لتنظيم أمورهم في دائرة الفراغ ، يكون نفس فعل التقنين مشمولًا لدليل البراءة العقلي والنقلي معاً ، وهذا كافٍ في الترخيص ، وقد سبقت الإشارة لذلك .
ومن الواضح أنّ الحدود والقواعد الدستوريّة لا تلغي البراءة هنا ؛ لأنّنا قلنا بأنّ مورد هذه القواعد ليس حكماً شرعيّاً للشيء بعنوانه ، حتى يكون التشريع في مورده معارضاً لحكم الله تعالى ، فيمنع عن التشريع في موردها ولا معنى للبراءة عن فعل التشريع ، بل هذه القواعد هي حدود الله التي يمكن للإنسان أن يتحرّك ضمنها ولو من دون وجود حكم شرعي ما دام لم يخرقها أو يتخطّاها ، لا أنّها بنفسها تفرض حكماً شرعيّاً على الأشياء والأفعال بعنوانها ، كما
شمول الشريعة — صفحة 728
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٢٨