يفهمون هذا النصّ أو يُتوقّع أن يفهموه بمثابة كونه ذا دلالة حاصرة على مستوى وسائل الإثبات القضائي ، بعد حصر مفهوم البيّنة بالعدلين ، لأنّهم يفترضون ضمناً أنّ النصّ قد لاحظ تمام طرق الإثبات القضائي إلى يوم القيامة ، ثم تمّ إنشاؤه بملاحظتها ، بينما غير الشمولي يعتبر أنّ النبيّ عندما يصدر منه شيء من هذا فلا نعرف أنّه ناظر لطرق مستجدّة لم يكن يتخيّلها السابقون ، مثل وسائل عمل الشرطة والتحقيق العلمي الحديث ، لهذا فهو يحتاج لبذل جهد مضاعف لإثبات نظر النبيّ في هذا الحديث لتمام الطرق إلى يوم القيامة .
ومرجع ما نقول في باب المطلق والمقيّد ، إلى أنّ من شروط الإطلاق كون المتكلّم في مقام البيان من الجهة التي نريد الأخذ بالإطلاق فيها ، وإذا لم نكن شموليّين فإنّ إحرازنا لكونه في مقام البيان من ناحية الوقائع المستجدّة التي لم يكن لها عين ولا أثر ، بل لعلّها لم تكن تخطر على بال أحدٍ في تلك الأزمنة ، يصبح أقلّ نسبيّاً ؛ لأنّنا لا نستطيع في كثير من الأحيان أن نُحرز أنّه متصدٍّ أصلًا لهذه القضيّة ، فضلًا عن أن نحرز أنّه ناظر لها وفي مقام بيانها في خصوص هذا الحديث .
فلو أخذنا مسألة حكم زكاة الغلات الأربع على القمر ، وأنّه سوف تختلف الأوزان والأحجام هناك ، فما هو المعيار ؟ فإنّ الشموليّ يظلّ لديه استعداد أكبر لفرض أنّ النصوص تعطي حكم القمر ، بينما غير الشمولي يظلّ هذا الأمر عنده أقلّ احتمالًا من أساسه ؛ ومن ثمّ فهو أقرب لفهم الانصراف عن مثل هذه الحالات النادرة ، وادّعاء أنّ النصوص لا يُحرز كونها في مقام البيان من حيث الحالات النادرة التي كانت معدومة ذلك الزمان .
وكذا حكم الصلاة في كوكب تطلع عليه شمس أخرى ، أو شمسان ، أو قمران ، وأنّه ما هو معيارها ؟ وأيّ شمس يختار ؟ وما حكم التيمّم على تراب كوكب غير كوكب الأرض ؟ وعشرات من هذا النوع من المسائل . . « 1 » ، يقترب الفقيه غير الشموليّ جدّاً من دعوى عدم
هامش
( 1 ) لا بأس بالإشارة إلى أنّ مجرّد طرح صورة فرضيّة غريبة لم تحصل في حياة البشر بعدُ ، ثم التماس جواب عنها في الدين ، هو في نفسه غير صحيح أحياناً حتى على تقدير القول بالشموليّة ؛ وذلك أنّ ثبوت شموليّة الشريعة يعني أنّ الشريعة تغطّي حياة البشر إلى يوم القيامة ، وأمّا الوقائع الفرضيّة التي قد يعلم الله سبحانه أنّه لن يقع فيها البشر إلى يوم القيامة ، كأن يعيشوا في كوكب فيه شمسان مثلًا ، فإنّ شموليّة الشريعة لا تستدعي وجود حكم لهذه الحال إلا بعد أن يكون هذا الفرض قد تحقّق ؛ إذ قبل