تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 724

مساهمون:

ص٧٢٤
ألف عام ، ولا يعني ذلك عدم وجود عمومات ومطلقات لها قدرة التعميم ، بل قد قلنا سابقاً بأنّ الكثير من العمومات والمطلقات لا مانع من توظيفها مثل الوفاء بالعقود ؛ لأنّ نكتة التشريع فيها هي مبدأ التعهّد بالعمل بما تمّ الاتفاق عليه ، فمن ناحية التوافق يظلّ هذا المبدأ سارياً ، لكنّ نفس مبدأ الوفاء بالعقود ليس ناظراً لأخلاقيّة مضمون التعاقد حتى يكون في نفسه قد اتخذ موقفاً من المضمون ، فمثلًا لا نستطيع أن نفهم من عموم الوفاء بالعقود موقف الإسلام من أخلاقيّة إجارة الرحم ، بحيث نقول بأنّ هذه الآية تريد أن تُفهم العصور اللاحقة بأنّ إجارة الرحم أمرٌ سليم أخلاقيّاً ، فهذه الآية لا تنظر لمضمون التوافق ، بل تنظر لمبدأ الوفاء بالتوافق ، فيما المضمون ليست ناظرة إليه بذاتها لكي تكون دالّةً عليه ، وإنّما يجب الفراغ عن أخلاقيّة المضمون من مكان آخر ، ولهذا نجد أنّ استدلال بعضهم بمثل هذه الآية في عشرات المواضع المستجدّة لإثبات أخلاقيّة المعاملة في مضمونها غير صحيح ، وأحد أسباب ذهابهم لهذا - فيما نخمّن - أنّهم استطرقوا الآية لمعالجة قضايا عصرهم ، ولو لم يحملوا هذه الذهنيّة الشموليّة لكان أقرب لهم وأيسر أن يقولوا بأنّ هذه الآية تعطي عموماً واضحاً في صحّة أو لزوم الوفاء بالتعاقدات والمعاهدات ، بينما أخلاقيّة مضمون المعاملة يعتبر أمراً مفروضاً فيها ، لا أنّها دالّة على أخلاقيّته بذاتها بالعموم ، ومن ثمّ يلزمنا الاستناد ولو إلى أصل عملي معيّن لتبرير أخلاقيّة المضمون أو تنزيهه عن السلوك غير الأخلاقي ، ثم العودة إلى آية الوفاء بالعقود لتصحيح المعاملة أو الإفتاء بلزومها ، أمّا أنّ كلّ أمر لا نعرف أخلاقيّته ، فإنّنا نشرعنه عبر جعله ضمن تعاقد ، فهذا ليس صحيحاً بهذه الطريقة . هذه الأمثلة تعني أنّ ما لم يكن مورداً لابتلاء الناس في عصر النصّ ، فإنّ النصوص تكون أكثر تهيؤاً للانصراف عنه ؛ إذ تنصرف للحالة الغالبة في زمانها ، أو لا أقلّ من أنّه لا يوجد خلفيّة توفّر لنا كونها ناظرة للعصور اللاحقة مما لم يكن مورد الابتلاء في عصر الصدور ، بل هو جديد كلّ الجدة ، فالفقيه الشمولي يكون مستعدّاً أكثر لتقبل الإطلاق لوقائع عصره ، بينما الفقيه غير الشمولي يظلّ حذراً من فهم مثل هذه الإطلاقات ، ويقترب أكثر من فهمها بالطريقة التي كان يفهمها الناس قبل ظهور الوقائع المستجدّة . وهذا ما يؤسّس نوعاً من العلاقة بين الفهم التاريخي والفهم غير الشمولي ، وهذه قضيّة مهمّة جدّاً ، فعندما يقول النبيّ بأنّه يعتمد الأيمان والبيّنات في عمله القضائي ، فإنّ الشموليّين