بعرض قصّة أو رواية يشير من خلالها إلى وقائع تكوينيّة ، فنحن لا نتوقّع منه أن يخبرنا عن قضايا علميّة ، ولهذا نفهم سياقه فهماً مختلفاً عمّا لو كان مكانه شخصٌ فيزيائي أو فلكي يتعرّض لمسألة تتصل باختصاصه ، وهذا يعني أنّنا كلّما تأكدنا من نظر المتكلّم للجهة المعيّنة ازدادت إمكانات مساحة دلالته فيها ، والعكس صحيح .
مرجع هذه الفكرة الهرمنوطيقيّة إلى تأثير طبيعة المتكلّم ومعلوماتنا عنه في فهم دلالات نصوصه ، وهي الفكرة التي نظّر لها بشكلٍ ما شلايرماخر في ما يُعرف بالهرمنوطيقا الحديثة عنده ، واتّبعه في ذلك الكثير من الباحثين الهرمنوطيقيين في القرنين الأخيرين ، وإن كنت أعتقد بأنّ هذه الفكرة في روحها موجودة أيضاً - بدرجة أو بأخرى - عند المسلمين في تراثهم التفسيري لنصوص الكتاب والسنّة .
وفقاً لذلك ، عندما يدخل الفقيهُ أو المفسّر النصَّ حاملًا فرضيّة مسبقة ، وهي فرضيّة شمول الشريعة ، فمن الطبيعي أن يتوقّع أن يتكلّم النبيّ مثلًا في موضوعاتٍ ما ، بينما من يرى عدم شموليّة الشريعة - بنحو الجزم أو بنحو عدم ثبوت الشمول - سوف يصبح توقّعه تعرّض النبيّ لهذا الموضوع أقلّ واحتماليّته أضعف .
ومن أمثلة ذلك تعرّض النصّ لتعبير يعتبر سابقاً واضحاً في الدلالة على الحالة العاديّة ، بينما بات اليوم يحتمل فرضيّةً من الفرضيّات ، فعندما تقول الآية الكريمة بأنّ الأمّهات لسن إلا من يلدن ( المجادلة : 2 ) ، فإنّ الفقيه المحمّل بذهنيّة الشمول ، يفترض - من حيث لا يشعر - أو ينقدح في باله أكثر من غيره أنّ الآية بصدد وضع معيار الأمومة وأنّها الولادة ، فيؤدّي به ذلك إلى استنتاج أنّ صاحبة البويضة ليست هي الأمّ ، بل الأم هي الوالدة ، بينما الشخص الذي لا يدخل النصوص محمّلًا بذهنيةِ تعرُّضها لكلّ شيء ، فهو يفهم بشكل أسرع فكرة أنّ المراد بالآية الكريمة خصوص الإشارة إلى واقع الحال في تلك الأزمنة ، وأنّ هذا الحصر مبنيّ على مقابلة الأمومة الحقيقيّة بالأمومة الادّعائيّة المستبطنة في الظهار ( أنت عليّ كظهر أمّي ) ، وبالتالي لن يشعر دائماً بأنّ النصّ يريد أن يخرج ليكون شاملًا لقضايا تتصل بما نحن عليه اليوم .
إنّ الفكرة هي أنّ الشخص الذي لا يشعر بوجود ضرورة في تعرّض النبي والإمام والقرآن لقضايا عصره أيضاً من المستجدّات الحادثات ، يقترب أكثر من فهم النصّ في سياقه الزمني وأفقه الزماني آنذاك ، وليس في سياق وضع قاعدة تهدف - بالضرورة - لمعالجة قضايا ستأتي بعد
شمول الشريعة — صفحة 723
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٢٣