لكنّ هذا الكلام غير صحيح وفقاً لما تقدّم ؛ لأنّ البراءة رهينة بخصوصيّة التكليف والإلزام ، وليس من دليل من أدلّة البراءة ينفع في غير ذلك سوى استصحاب عدم الجعل ، بمعنى عدم التصدّي لأصل جعل حكم ولو كان هو الترخيص بأنواعه ، واستصحاب عدم الجعل - أي عدم الحكم بكليّته - مغايرٌ للحكم بالإباحة ، إلا إذا قلنا بأنّ الإباحة ليست سوى عدم حكمٍ ، ومعنى ذلك أنّ الاستصحاب العدمي يمكن أن يكون لمصلحتنا ، أي أنّه يحقّق لنا نفي أصل الجعل التشريعي في مورد الشكّ في وجود جعل تشريعي هنا ، وفي وجود تصدٍّ للشارع بإبداء موقفٍ قانوني ، وهذا الاستصحاب ( استصحاب عدم جعل الحكم ، لا استصحاب عدم جعل التكليف الإلزامي خاصّة ) مقدّم على مورد البراءة موضوعاً ؛ وذلك أنّه ينفي أصل ممارسة الشارع عمليّةً قانونيّة في المورد المشكوك ، فلا تصل النوبة لنفي الإلزام ؛ فإنّ استصحاب نفي التكليف ينسجم مع وجود حكمٍ غير أنّه يريد نفي كونه حكماً إلزاميّاً خاصّة ، بينما رتبة استصحاب عدم جعل الحكم ( كلّي الحكم ) يُلغي وجود أصل تصدٍّ للشارع في هذه الدائرة ، فلا تصل النوبة للحديث عن نفي الإلزامات .
وينتج عمّا نقول أنّه لو علمنا بوجود حكمٍ لله سبحانه في موردٍ معيّن ، ولكنّنا لم نتمكّن من تعيين هويّة هذا الحكم : هل هي الإباحة أو الحرمة أو الوجوب مثلًا ؟ فإنّ المورد من موارد جريان أدلّة البراءة العقليّة والشرعيّة ، لنفي الحكم الإلزامي ، بينما لو شككنا - حيث لا نعتبر الشموليّة مفروضاً قبليّاً مسلّماً - في أصل وجود جعل قانوني للمولى في هذه الدائرة أو تلك ، فإنّ المحكّم هنا هو دليل الاستصحاب لا البراءة ، وهو ينفي أصل وجود جعل قانوني ، بما لا يسمح بعد ذلك للبراءة بالجريان أو فقل : لا يحيج إلى جريانها ، فلا ينتُج هنا حكمٌ ظاهري أساساً ، وإن كانت نتيجة البراءة عمليّاً .
هذا ، والأخذ بهذا الاستصحاب الذي نتكلّم عنه هنا يحتاج لبعض التمهيدات في بابه من نوع مسألة الأصل المثبت ، والاستصحابات العدميّة ( خاصّة العدم الأزلي ) ، والاستصحاب الحكمي ، ولا نخوض فيها هنا ، لكنّنا باختصار نقول رأينا النهائي والتفصيل في محلّه ، وهو أنّ مستندنا العمدة في الاستصحاب هو البناء العقلائي المؤيّد بالنصوص ، ومن الواضح أنّ العقلاء يُجرون هذه الاستصحابات ( استصحاب عدم الجعل ) بطريقة يوميّة ما لم يثبت لديهم
شمول الشريعة — صفحة 715
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧١٥