3 - تقدّم قانون عدم الجعل على أصل البراءة ، تأثيرات في باب الأصول العمليّة
إذا رصدنا علاقة نظريّتنا بالأصول العمليّة الأربعة المقرّرة في الاجتهاد الشرعي ، خاصّة عند الإماميّة ، فسوف نجد الآتي :
1 - إنّ أصالة التخيير والاستصحاب ( غير الاستصحابات العدميّة ) والاحتياط ، لا تتأثر عادةً بنظريّة الشمول وعدمه ؛ انطلاقاً من الآتي :
إنّ أصالة التخيير تعبّر عن حالة دوران الأمر بين المحذورين ( مخالفة الوجوب أو الحرمة ) ، فنحن نعلم بوجود حكم إلزامي مسبق في مورد البحث ، ويدور أمره بين أن يكون هو الوجوب أو الحرمة ، وفي هذه الحال يحكم العقل بالتخيير وفقاً للقواعد الأصوليّة المقرّرة ، وهذا الحكم غير مرتبط بقاعدة الشمول ؛ لأنّ المفروض في التخيير هو العلم مسبقاً بوجود إلزامٍ ما ، وهذا العلم لا يكون عادةً بأصل قانون الشمول ؛ لأنّ الشمول التشريعي ليس شمولًا إلزاميّاً حتى يكون أصل ثبوته موجباً للعلم بالإلزامات ، بل قد يكون الحكم استحبابيّاً أو كراهتيّاً أو حكماً بالإباحة ، وهذا يعني أنّ مورد جريان قانون التخيير متساوي النسبة ومتحد المسافة بين نظريّة الشمول وعدمها ولو عادةً .
وأمّا الاستصحاب :
فإذا كان المراد منه استصحاب الأحكام الإلزاميّة أو الأحكام الترخيصيّة - بالمعنى الأعم والأخصّ - المعلوم بدليلٍ خاصّ جعلُها مسبقاً من قبل الشارع ، فمن الواضح أنّ نظريّتنا لا تؤثر على مثل هذا الاستصحاب ؛ لأنّ المفروض أنّ الحكمَ قد عُلم بكونه قد جُعل مسبقاً ، غاية الأمر أنّنا نشكّ في كونه قد جُعل اليوم ، وإذا ثبت بدليل حجيّة الاستصحاب أنّه في كلّ موردٍ شككنا فيه في البقاء فعلينا إجراء الاستصحاب ، فإنّه بهذه الطريقة يثبت الحكم بقاءً تعبّداً بدليل الاستصحاب نفسه ، ومن ثم فقانون عدم الشموليّة لا يُلغي ثبوت الحكم بعد وجود دليل على ثبوته ، والمفروض أنّ هذا الدليل موجود ، ولو كان هذا الثبوت تعبّديّاً ، سواء اعتبرنا الاستصحاب أصلًا محرزاً أو لا ، وإن كان الأمر على الإحراز أوضح .
وهذا هو فارق الاستصحاب عن القياس والمصالح المرسلة ؛ فإنّ دليل حجيّة القياس والاستصلاح لا يساعد - كما تقدّم - على فرضهما دليلًا على وجود الحكم ، بل هما دليلٌ على