قانون الاحتياط .
وهذا كلّه في هذه القواعد الثلاث ، بصرف النظر عن أصل نظريّة الأصولي في هذه القواعد نفسها ومديات عملها ، فإنّ نظرنا هنا لأصل جريانها وفقاً للشروط التي تُشترط فيها عند الأصولي على اختلاف المباني ، وإنّما نظرنا الخاصّ لطبيعة علاقة نظريّة الشمول ثبوتاً وعدماً بهذه القواعد على تقدير وجودها وتحقّق شروط تنشيطها هنا أو هناك .
2 - وأمّا قاعدة البراءة ، فمن الواضح أنّها تريد أن ترفع الإلزام حيث يكون هناك شكّ فيه ، وناتجها المعذوريّة على تقدير مخالفة الواقع ، ولهذا نجد في صياغتها العقليّة والنقلية لغة التعذير ورفع العقاب ونفي الكُلفة ، ممّا ينسجم مع خصوص الأحكام الإلزاميّة ، من نوع قبح العقاب بلا بيان ، ومن نوع أنّ الله لا يعذّب إلا بعد إرسال الرسل ( الإسراء : 15 ) ، ومن أنّه لا يكلّف نفساً إلا ما آتاها ( الطلاق : 7 ) ، أو نفي وجود محرّم من الأطعمة نتيجة عدم وجدان التحريم ( الأنعام : 145 ) ، وكذا النصوص الحديثية التي تضمّنت إثبات الإطلاق حيث لا نهي كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي ، أو رفع المؤاخذة كحديث الرفع ، وغير ذلك من المعطيات العقليّة والنقليّة التي تلتقي على كون أدلّة البراءة تستهدف نفي الإلزام ونفي الآثار المترتّبة على مخالفته على تقدير وجوده واقعاً ، حتى أنّ الاستناد إلى الاستصحاب لإثبات ناتج البراءة قام على نفي أو عدم التكليف ، هذا العدم الثابت قبل البلوغ أو قبل الشرع أو قبل تحقّق الموضوع ، فكلمة التكليف كانت حاضرة دوماً ، ولهذا يعبّر السيد الصدر بقوله وهو يتحدّث عن موضوع جريان البراءة في غير الإلزاميّات : لا إشكال في عدم جريان البراءة العقليّة فيها ( المستحبّات ) ؛ لأنّها فرع ثبوت العقاب في مورد الشبهة ولا عقاب في ترك المستحبّ . . أدلّة البراءة الشرعيّة الناظرة جميعاً إلى نفي الكلفة والإلزام والعهدة وبسياق الامتنان ، فتكون خاصّة بالتكاليف الإلزاميّة المشتبهة « 1 » .
وهنا قد يقال : إنّنا لو شككنا في حكمٍ شرعي تفصيليّ ، أمكن إجراء البراءة عنه ؛ لأنّ إجراء البراءة لا فرق فيه بين الشك في هويّة الحكم ( وجوب - استحباب - إباحة مثلًا ) والشكّ في أصل وجود الحكم التفصيلي .
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول 5 : 149 ، 150 .